فهرس الكتاب

الصفحة 20451 من 27364

على أن المدافعين عن طه حسين لا يسلِّمون بسهولة، وفيهم أساتذة فضلاء لا أدرى لماذا يحاولون أن يخففوا خطاياه مع معرفتهم التامة بما سببته من بلبلة فكرية ليس لها أساس من علم أو منطق، إذ نراهم يقولون إنه، رغم كل ما يمكن أن يوجَّه إليه من نقد، قد حرّك بكتابه ذاك العقول وهزّ جماهير القراء، وبخاصةٍ المحافظون منهم. ومن هؤلاء د. حمدى السكوت ود. مارسدن جونز في كتابهما"أعلام الأدب المعاصر في مصر" (ص20) . وقد طالعت نفس الفكرة في مادة"طه حسين"من"الموسوعة العربية"المنشورة على موقع"كلمات"، إذ وُصِف كتاب"فى الشعر الجاهلي"بأنه"رغم أن الدراسات الحديثة أثبتت خطأه في بعض الجوانب، إلا أن قيمة الكتاب الفكرية تظل من حيث تشجيعه للموقف النقدى من التراث الأدبى والبلاغى واللغوى العربى والكشف عن خضوع هذا التراث كغيره لقانون التطور التاريخى". ولعلى قرأت أيضا شيئا مثل هذا للدكتور ناصر الدين الأسد رغم أنه قد عرض عرضًا رائعًا، في كتابه القيم"مصادر الشعر الجاهلى وقيمتها التاريخية"، كلَّ ما كُتِب من دراسات وأبحاث تفضح ما في كتاب طه حسين من سرقة وضعف وتهافت وتسرع وافتئات على حق العلم والتاريخ والدين. بل إنه عند المقارنة بين الرافعى وطه حسين في هذه المسألة لم يجد مناصا من أن يحكم للأول بأنه"لم يحمِّل نصًّا أكثر مما يحتمل، ولم يعتسف الطريق اعتسافًا إلى الاستنتاج والاستنباط ولا إلى الظن والافتراض، ولم يجعل من الخبر الواحد قاعدةً عامّةً، ولا من الحالات الفردية نظريةً شاملةً" (مصادر الشعر الجاهلى وقيمتها التاريخية/ 379) ، أما في الثانى فعلى رغم الكلام الجميل الذى قاله عن أسلوبه وسِحْره نجده يحكم على منهجه قائلا:"ثم استقرّ الموضوع بين يَدَىِ الدكتور طه حسين فخلق منه شيئًا جديدًا لم يعرفه القدماء، ولم يقتحم السبيلَ إليه العربُ المحدثون من قبله، ثم أنكره بعدُ كثير من المحدثين إنكارًا خصبًا يتمثل في هذه الكتب التى ألفوها في الرد عليه ونَقْض كتابه. وقد استقى الدكتور طه حسين أكثر مادته، حيث يستشهد ويتمثل بالأخبار والروايات، من العرب القدماء، وسلك بها سبيل مرجليوث في الاستنباط والاستنتاج والتوسع في دلالات الروايات والأخبار وتعميم الحكم الفردى الخاص واتخاذه قاعدة عامة، ثم صاغ تلك المادة وهذه الطريقة بإطار من أسلوبه الفنى وبيانه الأخاذ، حتى انتهى إلى ما انتهى إليه من أن الكثرة المطلقة مما نسميه أدبًا جاهليًّا ليست من ا لجاهلية في شىء، وإنما هى منحولة بعد ظهور الإسلام... فنحن إذن بإزاء نظرية عامة لم نرها فيما عرضنا من آراء العرب القدماء، ونحسب أنها لم تخطر لهم على بال، ولكننا رأيناها واضحة المعالم فيما عرضنا من آراء مرجليوث، ولم يكتف بالإشارة إليها إشارة عابرة، وإنما نصّ عليها نصًّا صريحًا في عبارات متكررة تختلف ألفاظها وتتفق مراميها، وجاء الدكتور طه حسين فلم يقنع كما قنع مرجليوث بأن يدلنا عليها في مقالة أو مقالتين، وإنما فصّل لنا القول في كتابٍ كاملٍ قائمٍ بذاته" (المرجع السابق/ 379- 380) .

ومن الذين أَثْنَوْا ثناءً شديدًا على ما صنعه طه حسين وضخّموا، من فرط تحمسهم، دوره في حقل الأدب والدراسات النقدية تضخيمًا شديدًا د. محمد زكى العشماوى، الذى يقول إن الدكتور طه"فى منهجه في دراسة الأدب ونقده...يعتبر حدا فاصلا بين عهدين، فما قبل طه حسين كانت دراسة الأدب ونقد الأدب مختلفة اختلافا كليا لأنها كانت تهتم بالشروح اللغوية للكلمات، ولم تكن تتعمق في تحليل النص وفهمه ودراسته وفق منهج يعتمد على الذوق والذوق المعلَّل، وإنما مجرد أحكام جارفة أو كاسحة لا تنهض على مقدمات أو دلائل مقنعة. فلما جاء أرسى دعائم المنهج التحليلى النقدى السليم الذي ينهض على الاحتكام إلى العقل وعلى تذوق الأثر الفنى وتحليله وفق منهج يلتزم الموضوعية وينتهى إلى أحكام دقيقة ومقنعة بحيث خرج الحُكْم من حيز الخصوص إلى حيز العموم... هذا المنهج الذى أرسى دعائمه د. طه حسين هو الذى استفاد منه أساتذة الجامعات من بعده، وهو الذى عدّل الكثير من الأفكار التى كانت شائعة ومستبدة بحقل النقد الأدبى" (من حوار معه في جريدة"الجمهورية والعالم"المِشْبَاكيّة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت