فهرس الكتاب

الصفحة 20455 من 27364

والنتيجة لهذا البحث كله تردنا إلى الموضوع الذي ابتدأنا به منذ حين ، وهو أن هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية ولا يمكن أن يكون صحيحا . ذلك لأننا نجد بين هؤلاء الشعراء الذين يضيفون إليهم شيئا كثيرا من الشعر الجاهلي قوما ينتسبون إلى عرب اليمن إلى هذه القحطانية العاربة التي كانت تتكلم لغة غير لغة القرآن ، والتي كان يقول عنها أبو عمرو بن العلاء: إن لغتها مخالفة للغة العرب ، والتي أثبت البحث الحديث ، أن لها لغة أخرى غير اللغة العربية .

ولكننا حين نقرأ الشعر الذي يضاف إلى شعراء هذه القحطانية في الجاهلية لا نجد فرقا قليلا ولا كثيرا بينه وبين شعر العدنانية . نستغفر الله ! بل نحن لا نجد فرقا بين لغة هذا الشعر ولغة القرآن . فكيف يمكن فهم ذلك أو تأويله؟ أمر ذلك يسير ، وهو أن هذا الشعر الذي يضاف إلى القحطانية قبل الإسلام ليس من القحطانية في شيء ، لم يقله شعراؤها وإنما حمل عليهم بعد الإسلام لأسباب مختلفة سنبينها حين نعرض لهذه الأسباب التي دعت إلى انتحال الشعر الجاهلي في الإسلام .

الدين وانتحال الشعر

... ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين ، وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه في قريش . فلأمرٍ ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم ، وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف ، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصي ، وأن يكون قصي صفوة قريش ، وقريش صفوة مضر ، ومضر صفوة عدنان ، وعدنان صفوة العرب ، والعرب صفوة الإنسانية كلها . وأخذ القصاص يجتهدون في تثبيت هذا النوع من التصفية والتنقية وما يتصل منه بأسرة النبي خاصة ، فيضيفون إلى عبدالله وعبدالمطلب وهاشم وعبدمناف وقصي من الأخبار ما يرفع شأنهم ويعلي مكانتهم ويثبت تفوقهم على قومهم خاصة وعلى العرب عامة . وأنت تعلم أن طبيعة القصص عند العرب تستتبع الشعر ، ولا سيما إذا كانت العامة هي التي تراد بهذا القصص ...

طه حسين بين العولمة والسفسطة

بقلم: د. إبراهيم عوض

أصدر الدكتور طه حسين سنة 1938م كتابًا كان قد ألفه قبل ذلك بسنةٍ عنوانُه"مستقبل الثقافة في مصر"، حاول فيه أن يضع الأسس التى ينبغى أن تسير عليها العملية التعليمية في أرض الكِنَانة بعد حصولها على استقلالها الصُّورِىّ سنة 1936م. ولسوف يشعر القارئ بعد قليل، حين يطالع اقتراحات طه حسين في هذا الصدد، وكأن الأمر لا يتعلق بمصر العربية المسلمة، ولا أن الاقتراحات التى تضمنها الكتاب قد صدرت عن رجل تربى في الأزهر الشريف وجاء من الصعيد رمز الصلابة والكرامة والعزة الوطنية والدينية، بل يتعلق ببلد لا علاقة له بدين محمد، وصدر عن رجل لا تربطه بالعروبة والإسلام صلة. والكتاب مملوء سفسطةً عجيبةً لا أدرى كيف جَرُؤ طه حسين على الانصياع إليها وتصوَّر أنها يمكن أن تجوز على عقول المصريين، المصريين الذين طالما نافحوا عن الإسلام في ميادين الوغى والعلم، وأحبوا كتابه ولغته وشريعته وسنة رسوله وبذلوا في دراسة ذلك كله والحفاظ عليه نور عيونهم وذَوْب عقولهم. ولقد ألَّف الرجل كتابه هذا بعد أن حضر في باريس صيف عام 1937م عدة مؤتمرات للفكر والتعليم كان فيها، كما يقول،"أشبه شىء بالطالب الذى يختلف إلى الدروس والمحاضرات في مواظبة وانتظام" (مستقبل الثقافة في مصر/ دار الكتاب اللبنانى/ بيروت/ 1973م/ 8) ، وأحسب أنه قد تلقى في هذين المؤتمرين التعليمات بالبدء في تطبيق دعوة الانسلاخ عن الإسلام على أخطر ميدان من ميادين الحياة، ألا وهو ميدان التعليم والثقافة، فلم يضيع وقتا بل شرع من فوره في أداء المهمة المنوطة به فأَلَّف الكتاب وانتهى منه في ذلك الصيف نفسه وقبل أن يعود بسلامته من ربوع مهبط الوحى الجديد كما يبيِّن التاريخُ والمكانُ اللذان أملاه فيهما وأثبتهما في آخره. كذلك فإنى موقنٌ أن القارئ الكريم، بعد أن يتابع معنا ما جاء في الكتاب من أفكار وما ينادى به مؤلفه من دعوات، سوف يلاحظ على الفور أن ما نسمعه الآن من كلام عن العولمة ووجوب تعديل المناهج الدراسية وتجفيف منابع الفكر الدينى في بلاد المسلمين ليس وليد الساعة، بل هو كلام قديم. وهذا إن دل على شىء فإنما يدل على أن أعداءنا لا ينامون ولا يأخذون الحياة مأخذ الهزل الذى نتّبعه نحن ولا نريد أن نتخلَّى عنه رغم تتالى الصواعق على رؤوسنا وتسويد الهزائم والمخزيات لوجوهنا وتلطيخها لكرامتنا. لقد سبق أن قرأتُ الكتاب وقرأتُ عنه منذ سنوات بعيدة، ثم عدتُ إليه هذا الأسبوعَ مرة أخرى بتأثير طائفة من المقالات التى قرأتها حوله وحول صاحبه في بعض المواقع المشباكية، وهذا هو تقريرى عنه أضعه بين يَدَىْ أمتى لعلها أن تفيق من الخَدَر الذى تظنه لذيذا، على حين أن وراءه مزيدا من الكوارث التى لا تقلّ شدةً وفداحةً عما خَبَرَتْه منها في الفترة الأخيرة، بل قد تكون أشد وأفدح وأنكى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت