فهرس الكتاب

الصفحة 20456 من 27364

وأول ما نقف عنده من السفسطة التى تطالعنا بوجهها الكالح الكئيب فى"مستقبل الثقافة في مصر"ما يهرف به مؤلفه من أن العقل المصرى هو عقل أوربى. ولا أدرى على أى أساس يزعم ذلك، ولا كيف قاله بهذه الجرأة العجيبة. ومع هذا نراه يكرر القول بأن الأوربيين يرفضون انتسابنا إليهم. ولا أفهم ما الذى يريده الدكتور طه أكثر وأقوى من ذلك كى يكفّ عن محاولة الالتحاق بناس يكرهوننا كل هذه الكراهية ويحتقروننا كل هذا الاحتقار! إنه كعاشقٍ أحمقَ ولهانَ واقعٍ في غرام راقصة من راقصات الكباريهات، ينثر كل أمواله تحت قدميها استجلابًا لرضاها، لكنها لا تزداد على هذا التقرب إلا عُتُوًّا واشمئزازًا وتكبّرًا، فهى تدوس الأموال المنثورة عند قدميها بحذائها وتركلها في وجهه، لكن صاحبنا لا يفهم ولا يحسّ، وبدلا من أن تفيق كرامته نراه يوغل في الاستعطاف وينثر المزيد من الفلوس ويترامى بنفسه على حذائها، لعله أن يكون مع الحذاء أوفر حظا منه مع صاحبة الحذاء، إلا أنه لولهه الأعمى المجنون لا يريد أن يفهم أن الحذاء ليس شيئا آخر غير صاحبة الحذاء، وأن الحذاء كصاحبته ليس له قلب. إنه يأتمر بأمرها وينفذ رغبتها، وليس له إرادة مستقلة عن إرادتها، وهى لا تحب صاحبنا المجنون الولهان ، ومن ثم فالحذاء هو أيضا لا يحبه ولا يمكن أن يحبه. كما أنها حريصة على استذلاله وتحقيره بكل ما أوتيت من قوة وجبروت، بيد أنه لا يفهم! أو قل إنه يفهم جيدا، لكنه يتصور أن إبداء مزيد من الهوان والذل كفيل بأن تستقيم الأمور بينه وبين معشوقته الداعرة التى لا تعرف شيئا اسمه العطف والمرحمة!

يقول د. طه حسين، بعد أن حاول بكل ما وُهِبَ من سفسطةٍ وولعٍ بالجدل الباطل إثبات أننا نحن المصريين أوربيون في عقلنا وتفكيرنا (فأل الله ولا فألك يا شيخ طه! والله إنك لأزهرى قد نَبَتَ لحم جسدك من خبز الأزهر والفول النابت مهما فعلتَ ومهما حاولتَ التبرؤ من جلدك ومما تحت جلدك، ومهما ألصقتَ من قشور الحضارة الأوربية فوق بَشَرَتك، ومهما مضيتَ في السخف فزعمت لمحدثيك أن أسلافك الأوائل كانوا من الإغريق كما حكى لنا الدكتور زكى مبارك والدكتور نجيب البهبيتى ) انظر كريمة زكى مبارك/ زكى مبارك ناقدا/ دار الشعب/ 1978م/ 69، ود. نجيب محمد البهبيتى/ مدخل لدراسة التاريخ والأدب العربيين/ دار الثقافة/ الدار البيضاء/ 1398هـ- 1978م . (61/ أنت يونانى؟ أنت؟ إنما أنت صعيدى قح، وأغلب الظن أنك عربى الأصول، لكنك تكابر على عادتك الذميمة في العناد ومكايدة جمهور العرب والمسلمين والتقرب إلى الغانية اللعوب التى ضَرِيَتْ على ركل عشاقها الحمقى الولهانين بالحذاء لعلمها أنهم قد ضَرُوا بدورهم على الغرام بهذا الركل والاستزادة منه! وإلا فهل كان اسم جدك البعيد"خريستو"أو"كوستا"أو"كرامانليس"مثلا؟ أما إن كنت يونانيا حقًّا رغم ذلك كله فمعناه أن كلامك عن الفرعونية التى تشهرها في وجه انتمائنا العربى والإسلامى هو من باب ذر الرماد في العيون حتى لا نتنبه إلى الحقد الأسود الذى يضمره قلبك تجاه مقومات وجودنا وحضارتنا) ، يقول الدكتور طه:"وأما الأوربيون فهم...يبذلون الجهود الخِصْبة الشاقة في تحقيق الصلات بين المصريين القدماء والحضارة اليونانية التى هى أصل حضارتهم، ثم هم بعد ذلك كله يُعْرِضون عن الحق ويتجاهلون هذه الأوليات، ويَرَوْن في سيرتهم وسياستهم أن مصر جزء من الشرق، وأن المصريين فريق من الشرقيين. وليس من المهم ولا من النافع الآن أن نبحث عن مصدر هذا التعنت الأوربى الذى يرجع إلى السياسة وإلى المنافع قبل كل شىء، وإنما المهم أن نمضى في هذه الملاحظة التاريخية حتى يَثْبُت لنا في وضوحٍ وجلاءٍ أن من السخف الذى ليس بعده سخفٌ اعتبارُ مصر جزءًا من الشرق واعتبارُ العقلية المصرية عقلية شرقية كعقلية الهند والصين" (ص 28) . أرأيتم شعورا بالنقص كهذا الشعور؟ أرأيتم انسلاخًا من الإنسان عن أصله وتنكرًا لماضيه ومجد أجداده وآبائه كهذا الانسلاخ؟ والله إنها لمهزلة، فالأوربيون الذين يحاول طه حسين الالتصاق بهم يفرون منه كما يفر السليم من الأجرب، لكنه يصر على الترامى على أقدامهم متهما موقفهم بأنه سخف ما بعده سخف! وفاته أن كل شىء يمكن أن يتم بالإكراه ما عدا الحب، فلا يتم إلا بالتراضى! آمنّا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا ورسولاً، وبالعربية ثقافةً وانتماءً، وبَرِئْنا من كل من يحاول سَلْخَنا عن شرقيتنا العربية الإسلامية وزعزعة أصولنا وإلحاقنا عبثًا وباطلاً بأوربا وتمريغ شرفنا وكرامتنا فوق ذلك في الرَّغام والطين!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت