فهرس الكتاب

الصفحة 20457 من 27364

ثم إنه يقيم دعواه المنكَرة الزاعمةَ بأن عقلنا نحن المصريين هو عقل أوربى على أساس أن اليونان كان لها مستعمرات في بلادنا ذات يوم قبل ألف عامٍ تقريبا من ميلاد المسيح عليه السلام (ص20) ، وأُضِيفُ أنا أنها قد احتلتنا نحو ثلاثمائة سنة قبيل الميلاد مما تعمَّد كاتبنا تجاهله. أى أن طه حسين يريد أن يعيدنا إلى ذلك التاريخ البعيد الذى شبع موتًا وشحب في الذاكرة بل انطمس انطماسًا! أفينبغى أن نقف عند هذه الفترة القصيرة جدا جدا من حياة الأمم والتى لم يعد أحد من المصريين يتذكرها أو يَذْكُرها حتى بلسانه مجرد ذِكْر، فنتعبَّد لها ونلغى كل ما سبقها ولحقها مما ينكرها وينقضها نقضا؟ أترانا، حتى عندما كانت اليونان تحتل بلادنا، قد اعتنقنا لغتها وآمَنَّا بدينها واتخذنا عاداتها وتقاليدها وتشرَّبْنا ثقافتها وجعلناها ثقافة لنا؟ كلا لم يقع شىء من ذلك، بل كما قلتُ: ليس هناك من بين المصريين من يتذكر شيئا من هذه الحقبة التى يرفضها العقل المصرى والشعور المصرى والخلق المصرى والكرامة المصرية والعزة الوطنية: لا على المستوى الحكومى ولا على المستوى الشعبى، ولا على مستوى المثقفين (اللهم إلا من تخصص منهم في تاريخ تلك الفترة من تاريخنا كما يتخصص أى واحد منا في اللغة اليابانية مثلا أو في التاريخ الأوربى) ولا على مستوى الجماهير، على عكس ما فعلناه مع لغة العرب وثقافة العرب والدين السماوىّ الذى حمله إلينا العرب وكثير من عادات العرب وتقاليد العرب، حتى لقد نَسِينا لا الحقبة اليونانية فقط من تاريخ مصر بل ما كنا نتكلمه من لغة وما كان آباؤنا يدينون به من دين أيضًا، اللهم إلا من بقى منا على نصرانيتهم، أما من كان يدين بالعجل أبيس أو الإله أوزيريس أو آمون أو آتون فذهبوا إلى غير رجعة في بطون التاريخ غير مأسوف عليهم من أحد، لا أعاد الله شيئا من تلك الأديان بعد أن ذقنا حلاوة التوحيد ونهلنا من دين محمد. وبالمناسبة فالنصرانية ليست دينا مصريا، بل هى دين وافد على بلادنا كما أن الإسلام دين وافد من الجزيرة العربية، التى نزل فيها الوحى على محمد عليه السلام، وكل ما في الأمر (وهذا هو المهم، وهو الفيصل الحاسم) أن الذين اعتنقوا دين محمد هم الأغلبية الساحقة، على حين أن الذين ظلوا يتمسكون بدين النصرانية هم الأقلية. وكلا الفريقين مصرى صميم له احترامه وحقّه في أن يؤمن بما يقتنع به، أما الحمقى الذين ينظرون شَزْرًا إلى دين الإسلام ويجأرون بأنه دينٌ أجنبىّ وأن الذين يؤمنون به هم أيضا أجانب ينبغى أن يعودوا من حيث أَتَوْا فهم مجانين ليس لهم من مكان يليق بهم إلا في الخانكة! وقد كان المظنون أن تقول ذلك الأغلبيةُ المسلمةُ لغيرها، لكن المسلمين لا يمكن أن يفكروا على هذا النحو الإجرامى البليد، بل يقولون إن مصر بلد الطائفتين! وعلى أى حال فلم يقل أى من الفريقين، فيما نعلم، إنه صاحب عقلية أوربية، اللهم إلا طه حسين من بين من ينتسبون للإسلام، وإلا سلامة موسى من بين من ينتسبون لدين النصارى!

وعلى ذكر هذا التحمس الطَّاهَوِىّ لليونان ومستعمرات اليونان وتأثير اليونان الفكرى في مصر الفرعونية أنقل للقارئ هذه السطور التى تصف فيها زوجتُه بعضَ ما كان يفعله في شتاء 1939م في تونا الجبل برفقة سامى جبرة المسؤول عن الآثار هناك:"وكان طه، الذى ظل مسؤولا أمدًا طويلاً عن كافة أراضى الحفريات، يحب على نحوٍ خاصٍّ هذه الأرض التى كانت تبدو له وكأنها تخصه، فقد كان يجد فيها حضارة يحبها ما دام العالم الفرعونى كان يتحول هنا تحت تأثير الاندفاعة الهيلينية. كانت موميات القرود في الأنفاق تهمّه بشكل عابر، غير أنه كان يتوقف في معبد بيتوزيريس. كان يمشى ببطء بين أكثر القبور تواضعًا أو بين النّصب الجنائزية. وذات يوم دخلنا إلى واحد من هذه القبور. كان يشبه القبورَ الأخرى بدَرَجه الخارجى الضيق. صعدنا إلى الغرفة الصغيرة، وكان قد وُضِع فيها قديما جسدٌ نحيفٌ لفتاة كانت قد ألقت بنفسها في النيل، اسمها"إيزيدورا"، وتقول الكتابة الموجودة على قبرها إن أباها قد طلب من أجلها القرابين والصلوات. وفجأة لاحظتُ أن طه ابتعد عنا، ثم طلب إلينا أن نحمل إليه مصباحًا قديمًا (وكان ذلك متوافرا) ، وأن نشعله بالبَخُور وأن نستمر في إشعاله. لم يعد سامى يُدِير أشغال تونا، ولا أدرى إذا كان مصباح إيزيدورا لا يزال يشتعل أحيانا" (سوزان طه حسين/ معك/ 135- 136) . وقبل أن أمضى أحب أن أتساءل: ما كل هذه الرقة والحِنِّيَّة والرهافة العاطفية؟ أين التنوير والتفكير العلمى الذى يصدع أدمغتنا به حواريّو طه حسين، وهم يَرَوْنه يشعل مصباحا لإيزيدورا المسكينة التى ماتت من آلاف السنين، استجابة لرغبة أبيها في تقديم القرابين ورفع الابتهالات للآلهة؟ أم إن التمرد (التنويرى) لا يكون إلا في مواجهة دين محمد الطاهر النظيف من ظلمات الوثنية ونجاسات الخرافة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت