فهرس الكتاب

الصفحة 20458 من 27364

إن الدكتور طه يلجأ إلى حيلة مكشوفة من حِيَل العيال الصغار حين يقول إن فريقا من المصريين يريدون أن يُلْحِقونا بالشرق، مع أننا لا ننتمى إلى الصين أو فيتنام أو اليابان، فكيف يحسب هؤلاء أننا شرقيون؟ ثم يذهب فيدلل على أنه لا شىء في ثقافتنا يربطنا بهذه الأمم. وهى، كما قلت، حيلة مكشوفة من حِيَل العيال الصغار، إذ مَنْ بالله من المصريين أو من غير المصريين من أهل منطقتنا هذه يقول إننا شرقيون بذلك المعنى؟ أتحدى طه حسين أو غير طه حسين أن يأتى لى بمن يقول هذا! إن الذين يقولون بشرقيتنا إنما يقصدون أننا عرب مسلمون، فنحن جزء من الشرق العربى المسلم كما يعرف ذلك كل أحد، على حين يَتَبَالَهُ طه حسين ظنًّا منه أنه من الذكاء بحيث يمكن أن يخدعنا في أمرٍ مكشوفٍ بل مفضوحٍ كهذا، وأننا من الغباء بحيث يمكن أن نبلع بسهولةٍ هذا الطُّعْم الخائب! إن الرجل هنا إنما يُسَفْسِط، وأىّ سفسطة؟ إنها سفسطة ملعونة مخربة مدمرة، وهو يمارسها بكل جرأة وبرود أعصاب وجمود وجه متظاهرا بالبراءة التامة، وهو أبعد ما يكون عن البراءة!

يقول بسفسطته التى لا تضارعها سفسطة أخرى:"وأنا من أشد الناس زهدًا في الوهم وانصرافًا عن الصور الكاذبة التى لا تصوِّر شيئا، وأنا مقتنع بأن الله وحده هو القادر على أن يخلق شيئا من لاشىء، فأما الناس فإنهم لا يستطيعون ذلك ولا يقدرون عليه. وأنا من أجل هذا مؤمنٌ بأن مصر الجديدة لن تُبْتَكَر ابتكارا، ولن تُخْتَرَع اختراعا، ولن تقوم إلا على مصر القديمة الخالدة، وبأن مستقبل الثقافة في مصر لن يكون إلا امتدادا صالحا راقيا ممتازا لحاضرها المتواضع المتهالك الضعيف. ومن أجل هذا لا أحب أن نفكر في مستقبل الثقافة في مصر إلا على ضوء ماضيها البعيد وحاضرها القريب، لأننا لا نريد ولا نستطيع أن نقطع ما بين ماضينا وحاضرنا من صلة. وبمقدار ما نُقِيم حياتنا المستقبلة على حياتنا الماضية والحاضرة نجنِّب أنفسنا كثيرا من الأخطار التى تنشأ عن الشطط وسوء التقدير والاستسلام للأوهام والاسترسال مع الاحلام! ولكن المسألة الخطيرة حقا والتى لا بد من أن نُجَلِّيَها لأنفسنا تجلية تزيل عنها كل شك، وتعصمها من كل لَبْس، وتُبْرِئها من كل ريب، هى أن نعرف أَمِصْر من الشرق أم من الغرب. وأنا لا أريد بالطبع الشرق الجغرافى والغرب الجغرافى، وإنما الشرق الثقافى والغرب الثقافى. فقد يظهر أن في الأرض نوعين من الثقافة يختلفان أشد الاختلاف، ويتصل بينهما صراع بغيض، ولا يَلْقَى كل منهما صاحبه إلا محاربا أو متهيئا للحرب. أحد هذين النوعين هذا الذى نجده في أوربا منذ العصور القديمة، والآخر هذا الذى نجده في أقصى الشرق منذ العصور القديمة أيضا. وقد نستطيع أن نضع هذه المسألة وضعًا واضحًا قريبًا يُدْنِيها إلى الأذهان وييسِّرها على الألباب: فهل العقل المصرىّ شرقىّ التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء، أم هل هو غربىّ التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء؟ وبعبارة موجزة جليَّة: أيهما أيسر على العقل المصرى: أن يفهم الرجلَ الصينىَّ أو اليابانىَّ، أو أن يفهم الرجلَ الفرنسىَّ أو الإنجليزىّ؟" (ص16- 17) .

أرأيت أيها القارئ الكريم كيف يضع طه حسين المسألة؟ إن مصر إما أن تكون بلدا شرقيا كالصين واليابان وفيتنام، وإما أن تكون بلدا أوربيا، وكأنه لا يوجد من الشرق إلا الشرق الأقصى، فلا شام ولا جزيرة عرب ولا إيران ولا باكستان ولا أفغانستان ولا دول أواسط آسيا المسلمة ولا ليبيا ولا تونس ولا الجزائر التى كانت حبيبتُه فرنسا تحتلها وتعمل على إخراجها عن عروبتها وإسلامها، ولا المغرب ولا موريتانيا ولا السودان ولا الصومال ولا إرتيريا ولا بقية إفريقيا الموحِّدة التى تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. كذلك من الجلىّ الذى لا يحتاج إلى تنبيه إليه أن طه حسين يتجاهل تجاهلا تامًّا تاريخ مصر الإسلامى، وهو الذى لا تعرف الأغلبيةُ الساحقةُ الماحقةُ من المصريين لها تاريخا غيره، فتراه يرجع بعيدا بعيدا إلى التاريخ القديم الذى كانت مصر متصلة فيه بالإغريق، ثم يقفز قفزة عالية هائلة فوق القرون المتطاولة التى عاشتها مصر في نور الإسلام لينزل على جذور رقبته في العصر الحديث الذى كانت إنجلترا تحتل فيه أرض الكنانة وتلتزم مصر باتفاقيات مع الدول الأوربية تجبرها على أن تنحو في تعليمها وإدارتها وتشريعاتها وسياستها مَنَاحِىَ لا تنسجم، إن لم تتعارض تعارضا عنيفا، مع ثقافتها ودينها ولا يفكر هو في الدعوة إلى الانعتاق منها بل بالعكس يرى أن على مصر الوفاء بها (ص45- 46، 82، 88، 91- 92 مثلا) ! ولأنه بهلوان بارع فإنه يقوم من السقطة دون أن تنكسر له رقبة، ذلك أن أصحاب السيرك قد وضعوا له الحشايا الإسفنجية التى تتلقاه عند سقوطه من حالقٍ تلقيًا حنونًا، لا حبًّا فيه، وإنما فتنةً لنا، نحن المتفرجين البُلْه، عن ديننا وثقافتنا واتجاهنا الروحى والسياسى!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت