فهرس الكتاب

الصفحة 20459 من 27364

وقد غاظ هذا التقسيمُ البهلوانىُّ المرحومَ سيد قطب فكتب ينتقد صاحبَه قائلاً:"ووَضْعُ المسألة على هذا النحو تتجلى فيه كل مهارة الدكتور في المناقشة، فهو قد قسَّم الدنيا قسمين اثنين لا ثالث لهما: قسم تمثله الصين واليابان، وإن شئت فضُمَّ إليهما الهند وأندونيسيا، وقسم تمثله فرنسا وإنجلترا، وإن شئت فضُمَّ إليهما كل دول أوربا وأمريكا. فلا بد، للإجابة عن سؤال الدكتور على هذا الوضع، أن تكون مصر أمة غربية لأنها، بلا تردد وبدون شك، تَفْهَم الإنجليزىَّ والفرنسىَّ أكثر مما تَفْهَم الصينىَّ واليابانىَّ في هذا الزمان! وهذا ما قصد إليه الدكتور من توجيه السؤال على هذا المنوال! ولكن لا ريب أن وجه المسألة يتغير لو كان الشرق الذى يواجهك به غير الصين واليابان والهند وأندونيسيا. أى لو كان هناك قسم ثالث للدنيا يمثله الشرق العربى والغرب العربى، ومصر بينهما حلقة الاتصال. ثم يزداد وجه المسألة تغيرا لو كانت الدنيا أكثر أقساما حسب عقلياتها المختلفة، وهو الواقع، فكانت أوربا وأمريكا تنقسمان بحسب العقلية الديمقراطية والعقلية الدكتاتورية، وبينهما خلاف أساسى لا شك فيه، وكان الشرق ينقسم بحسب أجناسه، وهى كثيرة، وحسب طبيعة بلاده، وهى متغايرة...إلى آخر الأقسام التى لا بد أن يفطن إليها ويدقق في تمحيصها من يريد وضع مناهج الثقافة حسب العقليات" (سيد قطب/ نقد كتاب"مستقبل الثقافة في مصر"/ الدار السعودية للنشر والتوزيع/ 1389هـ- 1968م/ 12- 13) .

كذلك يقول الأستاذ الدكتور بسفسطته المعهودة إن العلاقة بين الغرب الأوربى والشرق الأقصى كانت دائما علاقة صراع وحروب، متناسيا أنه لم تكن هناك أية علاقات بين هذين القطبين في التاريخ القديم البتة، أما نحن فمنذ القديم لم تكن لنا بالغرب من علاقة إلا علاقة الصدام الدموى، وبخاصة بعد الإسلام بدءًا بالحروب بينه وبين الدولة البيزنطية التى استطاع الدين الحنيف أن يكسحها من المنطقة إلى الأبد، ومرورًا بالحروب الصليبية التى كسبت فيها أوربا الجولة الأولى إلى أن تمكن المسلمون من لملمة شعثهم وتضميد جراحاتهم ثم تلقين أولئك الأوغاد آلم درس خبروه في حياتهم وأعادوا هذا الواغش البشرى إلى مقالب الزبالة التى كان قد جاء منها، وكذلك محاكم التفتيش التى ذاق المسلمون على أيدى جلاديها المتوحشين ما لم يذقه بشر حتى تم اقتلاعهم من دينهم وبلادهم، وانتهاءً بالاستعمار الأوربى الذى بسط لعدة عقودٍ سلطانه على المنطقة وأذلها واستغلها أبشع الإذلال والاستغلال، وما زال يبسط سلطانه الإجرامى على بعض أقطارها مثل فلسطين وأفغانستان والعراق. فمتى يا ترى كانت العلاقة بيننا وبين الغرب أيها السوفسطائى علاقة تفاهم وتعاون؟ إنك ومن هم على شاكلتك لستم حَكَمًا على أممكم، فأمثالكم في كل مكان وزمان إنما ينحازون إلى الأجنبى ويبيعون أنفسهم له رِخَاصًا مقابل عَرَضٍ من الدنيا تافةٍ ضئيل! بل لقد كانت علاقة أوربا بعضها ببعض علاقة خصام وسفك دماء في كثير من الأحيان، وما الحربان العالميتان منا ببعيد! لكن السوفسطائيين قوم يتبالهون ويَسْتَبْلِهون! أعاذنا الله من السفسطة والسوفسطائيين!

والغريب أن د. طه لا ينكر أن مصر كان لها علاقات ببعض دول الشرق الأدنى (بعضها فقط كما يريد منا أن نفهم، وهى الشام والعراق، فلا كلام عن السودان ولا الصومال ولا ليبيا ولا غيرها من دول الشمال الإفريقى، وكان الله يحب المحسنين!) ، لكن أى مصر؟ إنها مصر الفرعونية، وليست مصر العربية المسلمة التى لا نعرف انتماءً لغيرها الآن، كما أن هذه العلاقات لا تشفع عنده لكى تُعَدّ مصر بلدا شرقيا رغم ذلك مع أن الوضع هنا هو نفسه في حالة الإغريق، بل إن الصلات هنا أكثر وأشد على الأقل بحكم الجوار المباشر الذى لا يفصلنا فيه عن تلك الدول بحر ولا مزاج نفسى وحضارى مختلف أشد الاختلاف (ص19- 20) . فلماذا يا ترى؟ إن هذا يذكرِّنا بالمثل الشائع:"عنزة ولو طارت!"، كما يذكِّرنا بقصة ذلك الرجل الجاحد للجميل والذى سبق أن عومل أثناء اغترابه في بلدٍ من البلاد على يد رجل من أهله معاملةً غايةً في الكرم والجود، فوعد مُكْرِمَه أنه متى أتى إلى بلده فسوف يرد إليه الجميل أضعافا. ثم حدث أن ساقت الظروف هذا المحسِن إلى بلد الجاحد فذهب إليه أملاً في أن يجد لديه ما يزيل عنه الشعور بالغربة ووحشتها، لكن صاحبنا أوقفه على الباب وأخذ يتطلع إليه ويتباله منكرا أنه يعرفه أو سبق له أن رآه، والمسكين يخلع مرة قلنسوته، ومرة برنسه، لعل ذلك يساعد الرجل على وضوح الرؤية والتذكر. فما كان من صاحب البيت إلا أن أسرع قائلاً اختصارا للجهد والوقت وتيئيسًا للضيف أن ينتظر منه أية معاملة كريمة: أَرِحْ نفسك يا أخى، فوالله لو أنك خرجت من جلدك نفسه ما عرفتُك!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت