فهرس الكتاب

الصفحة 20460 من 27364

ثم إن العبرة على كل حال بشعور الشعب وموقفه من علاقات مصر بالدول الأخرى: لقد ظل المصريون ينظرون إلى الإغريق على أنهم محتلون غرباء، فلم يندمجوا فيهم ولا اصطنعوا لغتهم ولا أخذوا عنهم دينهم ولا تثقفوا بثقافتهم، بخلاف ما فعلوا مع العرب حين أتوهم بالإسلام، فقد تعربوا مثلهم لغة وثقافة، وأقبلوا على الدين الذى جاؤوهم به واعتنقوه وتفانَوْا في التمسك به والدفاع عنه فكريا وعسكريا. ولا يظنَّنَّ ظانٌّ أن ذلك كان سببه حكم العرب لمصر، فقد احتل الإغريق وغير الإغريق مصر وحكموها فلم تسلس مصر قيادها لهم ولم تقتبس منهم لغتهم ولا دينهم ولا عاداتهم وتقاليدهم كما قلنا، كما أن العرب سرعان ما خلَفهم في حكم مصر الطولونيون مرة، والإخشيد أخرى، والفاطميون ثالثة، والأيوبيون الأكراد رابعة، والمماليك الأوربيون خامسة، والعثمانيون الأتراك سادسة، لكنها خلال تلك النظم السياسية لم يحدث قط أن فكرت في نبذ الإسلام أو اللسان الذى نزل به كِتَاب الإسلام، بل ظلت قلبًا وقالبًا وروحًا وعقلاً وشعورًا وخلقًا وتشريعًا وعاداتٍ وتقاليدَ بلدًا إسلاميًّا، كما لم يفكر أى من هؤلاء الحكام في نبذ الإسلام أو لسانه، اللهم إلا أن العثمانيين قد فرضوا لغتهم في أواخر عهدهم في بعض مجالات الإدارة، لكنْ سرعان ما انفصلت مصر عنهم عقب ذلك وعادت العربية إلى تألقها كَرَّةً ثانية لم يكسف من نورها خطة الإنجليز في جعل قسمٍ من مناهج التعليم بلغتهم. بل لقد أصبح يُنْظَر إلى أرض الكِنَانة منذ قرون على أنها زعيمة العالم العربى والإسلامى. ثم يريدنا الدكتور طه حسين الصعيدى الأزهرى، لمجرد أنه ذهب إلى أوربا والتقطه الأوربيون وجعلوا منه صنيعة لهم لقاء ثمنٍ دنيوىٍّ بخسٍ، أن ننزل على سفسطته وننسى هذا كله ونلقى بتلك الكنوز والمكاسب في البحر ونذهب فنرتمى على أقدام أوربا نستعطفها ونقبل حذاءها حتى ترضى عنا وتقبلنا أتباعا أذلاء لها! أى منطق يقول بهذا يا إلهى؟ وأى عقل يمكن أن يظن أنه ينجح في إقناع المصريين بهذا؟ لا يا دكتور طه، يفتح الله! إن طه حسين يريد أن يسوّق لنا الوهم الكذوب فيزعم أن العلاقة بين مصر واليونان في التاريخ القديم كانت علاقة تفاهم ومودة حتى عندما كانت لها مستعمرات في بلادنا، بخلاف المسلمين العرب الذين يقول إن مصر لم تسلس لهم قيادها بسهولة بل ثارت عليهم معتزة بشخصيتها الوطنية (ص18- 21، 27) . ترى أين كانت هذه العزة الوطنية إزاء المستعمرات اليونانية والاحتلال اليونانى؟ ما أغرب عقلك يا دكتور طه حين تسوِّد صفحاتك هنا عن الإسلام بمداد الحقد واللَّدَد في التشويه والرغبة الآثمة في التلاعب بحقائق التاريخ ومعانى الوطنية التى تفقأ عين وقلب وعقل كل مكابرٍ عنيدٍ!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت