فهرس الكتاب
ويمضى الدكتور طه في التظرف قائلا:"قد يقال إن الحضارة الأوربية مادية مسرفة في المادية لا تتصل بالروح أو لا تكاد تتصل به، وهى من أجل ذلك مصدر شر كثير تشقى به أوربا ويشقى به العالم كله أيضا... لكنّ مِنْ أجهل الجهل وأخطإ الخطإ أن يقال إن هذه الحضارة المادية قد صدرت عن المادة الخالصة. إنها نتيجة العقل، إنها نتيجة الخيال، إنها نتيجة الروح، إنها نتيجة الروح الخِصْب المنتج، نتيجة الروح الحى المتصل بالعقل فيَغْذُوه وينمّيه ويدفعه إلى التفكير ثم إلى الإنتاج ثم إلى استغلال الإنتاج لا نتيجة هذا الروح العاكف على نفسه الفارغ لها الفانى فيها الذى تُفْسِد الأثرةُ عليه أمرَه فلا ينفع ولا ينتفع ولا يفيد ولا يستفيد... ما هذا الشرق الروحى؟ ليس هو شرقنا القريب على كل حال من غير شك، فشرقنا القريب، كما رأيت، هو مهد هذا العقل الذى يزدهى ويزدهر في أوربا، وهو مصدر هذه الحضارة التى نريد أن نأخذ بأسبابها. وما أعرف أن لهذا الشرق القريب روحا يميزه من أوربا ويتيح له التفوق عليها. ظهرت في هذا الشرق القريب فنون وعلوم وآداب تأثر بها اليونان والرومان فأنتجوا حضارة أوربا، وأعانهم على ذلك المسلمون، أى أهل هذا الشرق القريب. وظهرت في هذا الشرق القريب ديانات سماوية أخذ الأوربيون منها كالشرقيين بحظوظهم: فمنهم المسيحى، ومنهم اليهودى، ومنهم المسلم أيضا. أفتكون هذه الديانات روحا في الشرق، ومادة في الغرب؟ كلا ليس الشرق الروحى الذى يُفْتَن به بعض الأوربيين صادقين وكاذبين فيخدعوننا به هو الشرق القريب، وإنما هو الشرق البعيد والشرق الأقصى. هو الهند والصين واليابان وما فيها من هذه الديانات والفلسفة التى لا تتصل أو لا تكاد تتصل بدياناتنا وفلسفتنا. فلننظر أى الأمرين نختار لأنفسنا: أنريد أن نعتنق ديانة الصينيين وفلسفتهم ونأخذ بأسباب حضارتهم؟... إن حديث الشرق الروحى هذا حديثٌ لا غَنَاء فيه. هو مضحك إن نظرنا إليه نظرة عامة، فإن المصريين الذين يزهدون في الحضارة الأوربية ويدعون إلى روحية الشرق يعرفون إذا خَلَوْا إلى أنفسهم أنهم يهزلون ولا يجِدّون، وأنهم لو خُيِّروا لكرهوا أشد الكره أن يَحْيَوْا حياة الصين والهند. ولكن هذا الحديث خطر لأنه يُلْقِى في رُوع الشباب بغض الحضارة الأوربية التى يعرفونها فيثبِّط هممهم ويُضْعِف عزائمهم ويوجههم نحو هذه الحضارة الشرقية التى يجهلونها فيدفعهم إلى بيداء ليس لها أول ولا آخر" (ص74- 78) .
وهذا كله حديثُ سفسطةٍ لا يثبت على محك المناقشة، إذ من قال إن المصريين حينما يدعون إلى الاستعصام بروحانية الشرق إنما يفكرون في الهند والصين واليابان؟ من قال ذلك منهم يا ترى؟ ولماذا لم يذكر لنا طه حسين بعض أسماء من نادَوْا بذلك! لكنه لم يفعل ولم يكن لِيفعل، لأنه يعرف تمام المعرفة، كما يعرف الواحد منا أبناءه، أنه لا يوجد بين المصريين من يدعو بهذه الدعوة المضحكة! إن روحانية الشرق عند المصريين والعرب والمسلمين أجمعين هى الإيمان بالله والرسل واليوم الآخر والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار والملائكة والقدر خيره وشره، وأن الدنيا من ثم ليست هى كل شىء، بل هناك حياة أخرى ينبغى أن يعمل الإنسان لها كما يعمل لدنياه، وأن الكائنات التى نراها ونسمعها ونشمها ونلمسها هنا على الأرض ليست هى كل الموجودات، بل هناك الملائكة والجن، وقبل ذلك كله وفوق ذلك كله الله سبحانه وتعالى الخالق الرازق الأول الآخر الظاهر الباطن الجبار الرحيم الكريم المريد القدير! والمسلمون عندما يدعون بهذا لا يريدون الانصراف عن الدنيا والتفوق فيها والاستمتاع بطيباتها كما يحاول الدكتور طه أن يوهم قراءه عبثا، بل يبغون أن يجمعوا بين الحسنيين: الدنيا والآخرة. إن الأوربيين والأمريكان متقدمون من دون أدنى ريب في العلوم الطبيعية والإنتاج والاقتصاد والاكتشافات والاختراعات والنظام والجَلَد والتخطيط والنَّفَس الطويل والتدبير وفنون الحرب والقتال، وليس هناك من المسلمين الذين يؤبه بهم من يقول بخلاف ذلك. إلا أن هذا لا يجعلنا نصدق ما يدعونا إليه طه حسين من الجرى في طريقهم كحَذْوِك النعل بالنعل وتقليدهم تقليد القرود والببغاوات، فهم إن تفوقوا في أمور الدنيا كما لا يستطيع أن ينكر ذلك أحد، مقصّرون في مجال الإيمان بالله والرسل واليوم الآخر...إلخ. أما القلة القليلة التى تقول إنها تؤمن بذلك فإنها لا ترضينا نحن المسلمين لأنها لا تؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام ولا بقرآنه الذى نزل عليه من السماء، بل تؤمن بأديان يعتقد المسلمون أنه قد أصابها العبث والتحريف، بل استنفدت أغراضها التى أنزلها الله من أجلها وصار واجبا على أتباعها أن يدخلوا في الإسلام، الدين الخاتم الذى جاء للبشر جميعا.صحيح أن المسلمين بوجه عام متخلفون، لكن هذا لا يقلب الحق باطلا ولا الباطل حقا، فدينهم باقٍ كما هو بطهارته الأصلية الربانية لم يتغير أو يصبه عبث أو تحريف.