فهرس الكتاب
وبالمثل لا ينبغى أن يفتّ هذا الوضعُ المزرى والمخزى الذى عليه المسلمون المعاصرون في أعضادهم أو يثبّط عزائمهم، فإن رحلة الألف ميل إنما تبدأ بخطوة واحدة، فضلا عن أن شرف الغاية وما سوف يجنيه صاحبها من ورائها من كرامة وعزة ومجد، كلّ ذلك كفيلٌ بأن يُقَوِّىَ من روحه المعنوية ويستحثه على بذل الجهد ومضاعفته إلى أن يصل إلى مبتغاه وهو محتفظٌ بحريته واستقلاله، مؤمنٌ بأنه خليق بأن يُتْبَع ولا يَتْبَع وبأنه قد أثبت وفاءه لتاريخه ومجده التالد لم يفرِّط في شىء منه وأن ربه ينظر إليه من فوق سبع سماوات مبارِكًا له ومباهيًا به ملائكته المقربين لأنه استطاع أن يحقق المعادلة التى فشل الغرب رغم تقدمه المادى والتقنى في تحقيقها، ألا وهى الجمع بين التفوق والقوة والعزة في الدنيا وبين النجاة والسعادة في الآخرة، وذلك بالخلوص من دنس الحضارة الأوربية المتمثل في الكفر بالله واليوم الآخر، وشرب الخمر وأكل الخنزير، والانحلال والشذوذ الجنسى بكل ألوانه، والاغترار بما وصل إليه الإنسان من علمٍ رغم تفاهته بالنسبة لما في الكون من أسرار، والتعامل مع الأمم الأخرى بكبر وغطرسة وإجرام وتوحش وتقتيل وتدمير ممنهج لا يعرف شيئا اسمه الرحمة أو الخجل أو الخوف من الله أو مراعاة ما يسمَّى بـ"حقوق الإنسان"أو"الرأى العام العالمى"...إلى آخر ما يضحكون به علينا ويشهرونه في وجوهنا كى يركّعونا ويُخْضِعونا لهم ولأغراضهم الدنيئة التى يُلْبِسونها أنبل المقاصد مما لا يستطيعه إبليس ذاته.
إن الدكتور طه ينخرط في فاصل من المنّ علينا بنتائج الحضارة الأوربية التى يذكّرنا أنها قد تغلغلت في أرجاء حياتنا إلى حد بعيد، مثل السكك الحديدية والبرق والهاتف وطراز الملابس والأثاث وما إلى ذلك مما لا نجد فيه شيئا يُضادّ ديننا أو ظروفنا وتقاليدنا، إلا في ميدان الملابس، فكثير منا الآن يؤثرون الجلباب مثلا على السترة والسروال والقميص تخففًا من سطوة الحر الشديد في فصل الصيف على الأقل في البيت، كما أن المرأة المسلمة لا يلائمها لباس المرأة الأوربية التى لا تلتزم في سلوكها قيم الحشمة ولا العفة، وهو ما رأينا انعكاسه في الشارع المصرى في العقود الأخيرة، إذ عاد ملايين النساء إلى ستر شعورهن وصدورهن وأذرعهن وسيقانهن إحساسًا منهن بأنهن في الوضع الجديد (الجديد واقعا، وإن كان قديما في الأصل) أدنى إلى طاعة أوامر دينهن واجتناب مناهيه، بعد أن كنا أيام الجامعة لا نكاد نرى فتاة واحدة من زميلاتنا تفكر في تغطية رأسها مثلا مجرد تفكير! ولقد ذكرتُ ذلك بالذات ردًّا على قول طه حسين في نبرة التحدى والمغايظة:"مدَّت أوربا الطرق الحديدية وأسلاك التلغراف والتليفون فمددناها، وجلست أوربا إلى الموائد واتخذت ما اتخذت من آنية الطعام وأدواته وألوانه فصنعنا صنيعها، ثم تجاوزنا ذلك إلى جميع الأنحاء التى يحيا عليها الأوربيون فاصطنعناها لأنفسنا غير متخيِّرين ولا محتاطين ولا مميِّزين بين ما يحسن وما لا يحسن وما يلائم منها وما لا يلائم" (ص41) ،"وإنى لأعرف قومًا كرامًا صالحين كانوا ينكرون السفور واختلاط الفتيان والفتيات، يجهرون بهذا الإنكار ويجاهدون في سبيله، وبناتُهم يذهبن إلى المدارس وإلى المدارس الأجنبية ويتخذن من الأزياء ما ليس بينه وبين الحجاب"
صلة" (ص68) .ترى ماذا هو قائلٌ الآن لو بُعِث ورأى النساء الآن يخالفن عن رغبته ويُحْبِطْن مشروعه التغريبى الخاص بهن؟"