فهرس الكتاب

الصفحة 20463 من 27364

أما ألوان التقدم الأوربى في الصناعة والحرب والعلوم التطبيقية فكما قلت: لا يوجد مسلم عاقل يرفض منها شيئا. لكن الأمر في ميدان التشريع مثلا يختلف عن ذلك، فإن تشريعات الإسلام كثيرا ما تتجه وجهة مخالفة بل مناقضة للقانون الأوربى، فما العمل؟ طه حسين يبارك هذا جريا على مبدئه الهادف إلى أن نسير سيرة الأوربيين في كل شىء سلوكا وشعورا وفكرا وخلقا، فالأوربى عنده هو المثال الأعلى الذى ينبغى علينا أن نحتذيه دون أدنى تفكير ودون همسة تذمر، وإلا كنا متخلفين نستحق اللعنة. إن عقدة الأوربى تطارد طه حسين ولا تتركه يهنأ لحظة في يقظته أو في منامه! إنها حالة نفسية تحتاج إلى دراسة وتحليل! إن الأوربى، في نظره، هو نبىّ العصر، أو قل: إنه إلهه! (الفصل السابع والثامن والتاسع من الكتاب، من ص40 إلى ص60) ، أما المسلمون فلا يَرَوْنَ رأيه ولا يستطيعون أن يَرَوْا رأيه، وإلا فمعنى ذلك أن ما جاء به محمد كان عبثا في عبث، وأن الأوربيين يعرفون مصالح العباد خيرا مما يعلمها الله سبحانه! ترى كيف يستطيع المسلم أن يوفق بين الإيمان بمحمد وبين تلك الخطة التى يدعونا ويلح في الدعوة إليها طه حسين؟ الواقع أنك لا تستطيع أن تأكل التفاحة وأن تحتفظ بها في نفس الوقت! ولقد اختار طه حسين أن يأكل التفاحة، وأن يأكلها ببذورها وطينها والأجزاء المعطَّنة منها ولا يغسلها من وَضَرها وسمومها رغم الذباب الذى كان يحط فوقها ويلوثها بألوان الجراثيم والمكروبات ورغم المبيدات الحشرية المرشوشة عليها، فكان كابن نوح حينما ناداه أبوه أن"اركب معنا، ولا تكن مع الكافرين"، فقال:"سَآوِى إلى جبلٍ يعصمنى من الماء". ثم إنه حين هطلت السيول وغرقت الأرض والجبال لم يكن ثمة عاصمٌ من هلاك ذلك اليوم إلا مَنْ رحمه الله، وحال بينه وبين أبيه الموج فكان من المُغْرَقين! إن بِيَد المسيخ الدجال من المغريات ما تنخدع به بل ما تنخلع له قلوب الأغرار المطموسى البصيرة المطسوسين في نظرهم، فتراهم يسارعون فيه يقولون إنه لا حضارة ولا ثقافة ولا تعليم ولا تشريع ولا ملابس ولا مآكل ولا مشارب ولا مبانى ولا عقائد إلا ما جاءتنا به أوربا! حتى لو كان في شىء من ذلك هلاكنا؟ إى نعم حتى لو كان فيه هلاكنا!

يقول الدكتور طه في سفسطة عجيبة:"السبيل إلى ذلك (أى إلى التحضر والعزة والسيادة) ليست في الكلام يُرْسَل إرسالا ولا في المظاهر الكاذبة والأوضاع الملفقة، وإنما هى واضحة بينة مستقيمة ليس فيها عِوَجٌ ولا التواء، وهى واحدةٌ فَذَّةٌ ليس لها تعدد. وهى أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا، ولنكون لهم شركاءَ في الحضارة خَيْرِها وشَرِّها، حُلْوِها ومُرِّها، وما يُحَبّ منها وما يُكْرَه، وما يُحْمَد منها وما يعاب" (ص55) . يا ألطاف السماوات! هكذا مرة واحدة، خبط لزق؟ وقد علق بحقٍّ على هذه الدعوة المريضة د. محمد محمد حسين رحمه الله فقال:"وهو شبيهٌ بقول آغا أوغلى أحمد، أحد غُلاَة الكماليين من الترك في أحد كتبه:"إنا عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الأوربيين، حتى الالتهابات التى في رئيهم والنجاسات التى في أمعائهم"" (د. محمد محمد حسين/ الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر/ ط3/ دار النهضة العربية/ 1392هـ- 1972م/ 2/ 229/ هـ1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت