فهرس الكتاب

الصفحة 20464 من 27364

وليس لذلك من معنى إلا أنه ما دامت أوربا تُلْحِد فلا بد لنا نحن أيضا أن نُلْحِد ونكفر بالله وبملائكته ورسله واليوم الآخر، وما دامت أوربا تنظر إلى الرسول على أنه كاذب أو واهم أو مريض بالصَّرْع فلا بد لنا نحن أيضا على سبيل التبعية والجرى على خطا أوربا أن ننظر إلي صلى الله عليه وسلم بنفس العين، وما دامت أوربا تبيح الخنزير والخمر والميسر والزنا واللِّوَاط والسِّحَاق والربا فلا بد لنا أيضا أن نصنع صنيعها فنأكل الخنزير ونشرب الخمر ونلعب الميسر ونزنى ونَلُوط ونُسَاحِق ونُرَابِى...وهكذا، وهكذا. وعلى دين الله وشرعه العَفَاء! أليس هذا بعض ما تتضمنه حضارة اوربا من شر ومرارة وعيوب مما أوصانا طه حسين وشدَّد في التوصية أن نأخذه مع حضارة أوربا صفقةً واحدةً دون انتقاءٍ أو تطهيرٍ، وكأننا بصدد"شروة طماطم"! إن الرجل حريص أتم الحرص على أن"نرى الأشياء كما يراها (الأوربى) ، ونقوِّم الأشياء كما يقوِّمها، ونحكم على الأشياء كما يحكم عليها، ونطلب من الدنيا مثل ما يطلب، ونرفض منها مثل ما يرفض" (ص58) . وعلى هذا فإذا سمعناه يقول في موضع آخر:"فإذا دعَوْنا إلى الاتصال بالحياة الأوربية ومجاراة الأوربيين في سيرتهم التى انتهت بهم إلى الرقىّ والتفوق فنحن لا ندعو إلى آثامهم وسيئاتهم، وإنما ندعو إلى خير ما عندهم وأنفع ما في سيرتهم... ونحن، حين ندعو إلى الاتصال بأوربا والأخذ بأسباب الرقىّ التى أخذوا بها، لا ندعو إلى أن نكون صُوَرًا طبق الأصل للأوربيين كما يقال، فذلك شىء لا سبيل إليه ولا يدعو إليه عاقل. والأوربيون يتخذون المسيحية لهم دينا، فنحن لا ندعو إلى أن تصبح المسيحية لنا دينا، وإنما ندعو إلى أن تكون أسباب الحضارة الأوربية هى أسباب الحضارة المصرية لأننا لا نستطيع أن نعيش بغير ذلك، فضلا عن أن نَرْقَى ونَسُود" (ص63) ، إذا سمعناه يقول ذلك عرفنا أنه لا يقول ما في قلبه، وإنما يحاول أن يخدعنا عن نفسه، فهذه طريقة طه حسين: يضرب الضربة، ثم يستدير إليك حين يرى أنك لم تمت بَعْدُ قائلا:"أنا آسفٌ أنْ آلمتُك عن غير قصد"! ثم يمضى مسددا لك اللكمات والضربات المُصْمِيَة التى يريد بها أن يقتلك! وبمناسبة ما قاله طه حسين عن أنه لا يريد للمسلمين أن يعتنقوا المسيحية فإنى لا أستطيع أن أطرد عن ذاكرتى ما خطر لى الآن مما قرأته عن تعميده في كنيسة إحدى القرى بالجنوب الفرنسى قبيل زواجه من سوزان، أو عن اقتران حفيدته بشاب يابانى، أو ما سمعتُه أواسط ثمانينات القرن الماضى من أستاذةٍ للغة الفرنسية، لها بباريس صلة قوية، عن تنصّر (ا..ـه) رسميا في فرنسا آنذاك، وإن كنت لا أريد أن أخوض في هذا الأمر أكثر من هذا لأنى لا أملك بين يدىّ الآن وثائق مكتوبة. كما لا أملك نفسى من ترديد المثل التالى حسبما سمعته ذات يوم من بعض من يختلفون مع طه حسين بسبب موقفه من الإسلام، وهو:"أَسْمَع كلامك يا دكتور طه فأُكَذِّبه، ثم أرى أمورك يا دكتور طه فأزداد تكذيبا"! وبالمثل لا يمكننى في هذا السياق أن أتجاهل ما قاله المرحوم أنور الجندى في وصف شخصيته، إذ أكد أن"له من طبائع المكفوفين قدرتهم على المناورة وكسب القلوب والانسحاب السريع في حالات الخطر"، وأنه ذو طبيعة تجمع بين العناد والخوف، فتراه يندفع إذا خلا له الجو، لكنه سرعان ما يتراجع إذا استشعر الخطر (انظر أنور الجندى/ طه حسين: حياته وفكره في ميزان الإسلام/ ط2/ دار الاعتصام/ 1397هـ- 1977م/ 25) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت