فهرس الكتاب
وعودا إلى ما كنا فيه نقول إن الدكتور طه يرى، بناءً على هذا، أن التعليم المصرى لا ينبغى أن يقام على أساس من الدين، وإن كان يسلك في الوصول إلى هذه الغاية سبيلا ملتوية بعض الشىء، إلا أن من السهل على أى ملاحظ أن يكتشف اللعبة. لنقرأ:"الواقع أن آراء الناس ومذاهبهم تختلف بالقياس إلى هذه المسألة (يقصد إدخال مادة"التربية الدينية"فى مقررات التعليم) : فمن الناس من يريد أن يكون التعليم مدنيًّا خالصًا وألا يكون الدين جزءا من أجزاء المنهج المقومة له، على أن يُتْرَك للأُسَر النهوض بالتعليم الدينى وألا تقيم الدولة في سبيل هذا التعليم من المصاعب والعِقَاب ما يجعله عسيرا. ومنهم من يرى أن تعليم الدين واجب كتعليم اللغة وكتعليم التاريخ القومى لأنه جزء مؤسس للشخصية الوطنية فلا ينبغى إهماله ولا التقصير في ذاته. وواضح جدا أن هذا الرأى الأخير هو مذهب المصريين، وأن من غير المعقول أن يُطْلَب إلى المصريين الآن أن يقيموا التعليم العام في بلادهم على أساس مدنى خالص، وأن يُتْرَك تعليم الدين للأُسَر" (ص90- 91) . إن الرجل يبيع لنا الوهم، فهو من الذين لا يرَوْن أن يكون الدين جزءا من التعليم العام، لكنه يعلم أيضا أن المجاهرة الصريحة بذلك الآن أمرٌ لا يمكن المصريين تقبله. ومن ثم فلا مانع من مسايرة الجو العام الآن، إلى أن تحين اللحظة المناسبة لإقصائه تماما، وعندها تتغير النغمة تماما! إن طه حسين هنا يشبه هنرى كيسنجر صاحب سياسة الـ"خطوة خطوة"! وحتى نعرف مغزى كلامه عن إيكال مهمة التربية الدينية للأسرة ينبغى أن نقرأ كتابه:"الأيام"، الذى لم يخطئ فيه مرة واحدة فيذكر لنا أنه علَّم ابنه أو ابنته شيئا من أمور الإسلام أو فكّر في تحفيظهما بعضًا من آيات القرآن الكريم! بل إن الكِتَاب، منذ أن دخل في المرحلة الأوربية من حياة طه حسين، يخلو تماما من كل ذكر للإسلام، فلا كلام عن صلاة أو صيام أو زكاة أو حج أو أى توجيه إسلامى للأطفال ولا ذكر لله ولا للرسول أو الصحابة، وكأن الذى كتبه لا علاقة له بهذا الدين! ونفس هذه الملاحظة تصدق على كتاب"معك"الذى حكت فيه السيدة زوجته ذكرياتها ووقائع حياتها معه، وكذلك كتاب د. محمد الدسوقى:"أيام مع طه حسين"الذى سجل فيه عمله لدى الرجل على مدى عشر سنوات في أخريات حياته اشتغل فيها كاتبا وقارئا له.
حتى الأزهر يجب، في رأى الدكتور طه، أن يُلَقَّن طلابُه الفكرةَ القائلةَ بأن الدين ليس أساسًا من أسس القومية:"وهناك شىء يجعل حاجة الأزهر إلى إشراف الدولة على تعليمه الأولى والثانوى ضرورة ماسّة في هذا الطور من أطوار الحياة المصرية، وهو أن الأزهر، بحكم تاريخه وتقاليده وواجباته الدينية، بيئة محافظة تمثل العهد القديم والتفكير القديم أكثر مما تمثل العهد الحديث والتفكير الحديث. ولا بد من تطورٍ طويلٍ دقيقٍ قبل أن يصل الأزهر إلى الملاءمة بينه وبين التفكير الحديث. والنتيجة الطبيعية لهذا أننا إذا تركنا الصِّبْيَة والأحداث للتعليم الأزهرى الخالص ولم نشملهم بعناية الدولة ورعايتها وملاحظتها الدقيقة المتصلة عرّضناهم لأن يُصَاغوا صيغة قديمة ويُكَوَّنوا تكوينا قديما، وباعدنا بينهم وبين الحياة الحديثة التى لا بد لهم من الاتصال بها والاشتراك فيها، وعرّضناهم لطائفة من المصاعب التى تقوم في سبيلهم حين يَرْشُدون وحين ينهضون بأعباء الحياة العملية. فالمصلحة الوطنية العامة من جهة، ومصلحة التلاميذ والطلاب من جهة أخرى، تقتضيان إشراف وزارة المعارف على التعليم الأولى والثانوى في الأزهر. شىء آخر لا بد من التفكير فيه والطبّ له، وهو أن هذا التفكير الأزهرى القديم قد يجعل من العسير على الجيل الأزهرى الحاضر إساغة الوطنية والقومية بمعناهما الأوربى الحديث. وقد سمعتُ منذ عهدٍ بعيدٍ صاحبَ الفضيلة الأستاذ الأكبر يتحدث إلى المسلمين من طريق الراديو في موسم من المواسم الدينية فيعلن إليهم أن محور القومية يجب أن يكون القِبْلَة المطهَّرة. وهذا صحيح حين يتحدث شيخ من شيوخ المسلمين إلى المسلمين، ولكن الشباب الأزهريين يجب أن يتعلموا في طفولتهم وشبابهم أن هناك محورا آخر للقومية لا يناقض المحور الذى ذكره الشيخ الأكبر، وهو محور الوطنية التى تحصرها الحدود الجغرافية الضيقة لأرض الوطن. ولست أرى بأسا على الشيخ الأكبر ولا على زملائه أن يتصوروا القومية الإسلامية كما تصورها المسلمون منذ أقدم العصور إلى هذه الأيام، ولكن هناك صورة جديدة للقومية والوطنية قد نشأت في هذا العصر الحديث، وقامت عليها حياة الأمم وعلاقاتها، وقد نُقِلَت إلى مصر مع ما نُقِل إليها من نتائج الحضارة الحديثة، فلا بد من أن تدخل هذه الصورة الجديدة في الأزهر. وهى إنما تدخل من طريق التعليم الأولى والثانوى على النحو الذى رسمناه، وبالطريقة التى رسمناها، وبإشراف السلطان العام" (ص98- 99) .