فهرس الكتاب

الصفحة 20466 من 27364

ولا أظن القارئ إلا متنبها للحيلة المكشوفة التى يصطنعها الكاتب للتعمية على كراهيته للدين حين يقول في أثناء حملته على الروح الدينية التى يراها متغلغلة في الأزهر، إذ يزعم أنه لا تعارض بين القومية الدينية وبين القومية الحديثة كما أخذناها (أو بالأحرى: كما ينبغى في رأيه أن نأخذها) عن الأوربيين. فهذه، كما سبق القول، هى طريقة طه حسين: يضربك الضربة، ثم يستدير إليك حين يرى أنك لم تمت بعد قائلا:"أنا آسفٌ أنْ آلمتُك عن غير قصد"! ثم يمضى مسددا لك اللكمات والضربات المصمية التى يريد بها أن يقتلك...وهكذا دواليك! وباستثناء مثل هذه الكلمات التى لا تسمن ولا تغنى من جوع لا يجد القارئ موضعا للدين في هذا الكتاب: لا في التخطيط ولا في الاستشهاد بالنصوص ولا في الدعوة إلى مبدإ ولا في الحض على قيمة من القيم، بل المعوَّل في ذلك كله على الفكر الأوربى. ولقد قالها الرجل صريحة لا غمغمة فيها حين أكد أن المسلمين يجب ألا يفكروا في إقامة دُوَلِهم على اللغة أو الدين، بل على المنافع (والمنافع وحدها) ، وكأن الدين واللغة مجرد ردائين نلبسهما إذا دعت الحاجة، فإذا انتفت تلك الحاجة خلعناهما ورمينا بهما في البحر كما رمى كاتبُنا الهمامُ عمامتَه في مشهدٍ مسرحىٍّ مثيٍر من فوق سور السفينة أول ما أقلعت به متجهة إلى أوربا بلد السادة الجُدُد وقِبْلَة المثقفين المتنورين الذين لا يتورعون عن بيع ضمائرهم وأرواحهم إلى الشيطان كما فعل فاوست مع مفستوفوليس (مفستفوليس: على قافية إبليس. لعنة الله على المهاويس المناحيس المتاعيس!) . بل كأن الدين يمكن أن يتعارض مع المنفعة. فأىّ دينٍ هذا؟ إنه لا يمكن أن يكون دين محمد عليه السلام أبدا! ثم أىّ فهمٍ للدين هذا؟ إنه لا يمكن أن يكون إلا فهم طه حسين وتلامذته ممن يطلون برؤوسهم من الخبايا والأركان المظلمة هذه الأيام النَّحِسات!

ويسفسط أيضًا الدكتور طه حسين فيزعم أن الأزهر كان يَعُدّ دراسة الأدب العربى أمرا محتقَرًا، ومن ثم كان المسؤولون فيه ينظرون إلى دروس الأدب التى كان هو وبعض زملائه يتلقَّوْنها على الشيخ سيد المرصفى على أنها من القشور والأعراض، وأنه لهذا السبب ألغى الشيخ حسّونة النواوى شيخ الأزهر آنذاك دروس الأدب هذه. لكن لسان الدكتور طه يغلبه على نفسه فيقول إنها قد أٌلْغِيَتْ بسبب ما اتُّهِم الشيخ المرصفى وطلاّبه عنده بالابتداع (ص 312) . وكان معروفا عن طه حسين وبعض زملائه اللصيقين به أنهم يسخرون من كل شىء ولا يقيمون لأحد وزنا، وأنهم كانوا يجلسون على أحد أبواب الأزهر ويطلقون ألسنتهم في أساتذتهم وفى ما له جلاله وخطره لدى الأزهريين بل لدى المسلمين بعامة، ناظمين الشعر المقذع في هجاء زملائهم وشيوخهم غير متحرجين من لفظ أو معنى، علاوة على أن أحدهم كان لوطيًّا كما يقول طه حسين نفسه، وكان لا يدارى شيئا من ميوله الشاذة النجسة، مما أزعج الطلاب فشكَوْهم إلى شيخ الجامع، فما كان من الساخرين الذين لا يرجون لشىء ولا لشخص وقارا إلا أن فرّوا بجلدهم وتفرّقوا شَذَرَ مَذَر! ويستطيع القارئ أن يجد هذا في الفصل التاسع عشر من الجزء الثانى، والفصل الثانى من الجزء الثالث من كتابه:"الأيام". فهذا هو السبب لا ما يسفسط به الدكتور على عادته ويعمد إليه من لىّ الأمر إلى جهة غير جهته الحقيقية معتمدا على خلابة أسلوبه ومقدرته على قلب الحقائق دون خجل!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت