فهرس الكتاب
ويتظرف سيادته زاعما أن أحد مشايخ الأزهر قد كتب خطابا رسميا إلى محافظة القاهرة فلم يفهم المسؤولون شيئا مما في الخطاب، وهو ما دفعه إلى أن يعطيه لأحد المطربشين ليكتبه له بلغة مفهومة بعد أن أملى عليه ما يريد باللغة العامية، ثم لم يكتف بذلك بل كان يردد في فخر وتباهٍ أنه يكتب بلغة لا يستطيع المُطَرْبَشُون أن يفهموا منها شيئا (ص 313) ! وهو كلام سخيف لا أدرى كيف طاوعت طه حسين نفسه على تسطيره. أيريد منا أن نصدقه في هذا السخف التافه؟ فمن الذى علّمه يا ترى وجعله يكتب بهذا الأسلوب الجميل؟ أهى العصفورة؟ ولا يَقُلْ أحد إنه قد تعلم هذا الأسلوب الجميل بعد أن ترك الأزهر، فإن أسلوب الرجل قبل أن يسافر إلى فرنسا، سواء في مقالاته أو في خطبه، موجود بين أيدينا، وهو يدل على أن تمكنه من ناصية اللغة العربية سابق على سفره إلى بلاد الفرنسيس بل سابق على انتظامه في الدراسة بالجامعة الجديدة. ثم إن الأسلوب لا يُكْتَسَب بين يوم وليلة ولا بين عشية وضحاها كما يقولون. بيد أن طه حسين، بسب كراهيته للإسلام ورغبته الحارقة في التحقير من أمره (وإن كان على نحو غير مباشر حتى لا يحدث له ما حدث سنة 1926م حين هاجم الإسلام بغشم أحمق ولم يلجأ إلى الضرب من تحت لتحت) ، لجأ إلى هذا الأسلوب الملفوف فسخر من الأزهر بدلا من أن يعلن نيته صريحة على الملإ فيزورّوا عنه بل يثوروا عليه. وفاته أن اللعبة هذه المرة، وإن كانت أمكر، ليست ماكرة بما فيه الكفاية، إذ لا يمكن أىَّ عاقل أن يصدّق هذا السخف الساخف الذى يزعمه الرجل على أساتذته. وهو معروف بأنه لا يحب أن يترك شيخا من شيوخه الذين علَّموه في الكتّاب أو في الأزهر ولا أحدا في أسرته تقريبا ممن كان لهم الفضل في تربيته وتعليمه دون أن يشوه صورته، في الوقت الذى يصور فيه المستشرقين وزوجته تصويرا مشرقا تمام الإشراق كأنه يتحدث عن ملائكة نورانيين مبرَّئين من العيوب والمآخذ التى توجد في بنى الإنسان!
وسيادته يحاول بكل ما أُوتِىَ من قدرة على الجدل السوفسطائى أن يقلل من شأن الأزهر ودار العلوم فيدعى أن خِرِّيجِيهما لا يصلحون لتدريس اللغة العربية، ويستشهد على ذلك بأن أدباء العصر كالعقاد والمازنى وهيكل وحافظ وشوقى لم يتخرجوا من دار العلوم ولا من الأزهر! وهذا الكلام يحتاج لوقفة، فالملاحظ أن هذه الأسماء التى ذكرها لا تنتمى لجهة علمية واحدة بل لجهات شتى: فالمازنى خِرِّيج المعلمين العليا، وشوقى وهيكل خِرِّيجا الحقوق، وحافظ خِرِّيج المدرسة الحربية...وهكذا، ومن الظلم أن نوازن بين المدارس العليا كلها في هذا الصدد وبين دار العلوم أو الأزهر وحده. ومع ذلك فيمكننا أن نذكر من الأسماء التى تعلمت في الأزهر أو في دار العلوم أو في الاثنين معًا كُلَّ تعليمها أو معظمه، ثم تلألأت في سماء الحياة الأدبية والفكرية، العدد الجَمَّ الغفير مثل عبد الرحمن الجبرتى ورفاعة رافع الطهطاوى والشيخ محمد عياد الطنطاوى والشيخ حسين المرصفى وحسن توفيق العدل والشيخ على يوسف والشيخ حمزة فتح الله وحفنى ناصف ومصطفى لطفى المنفلوطى وعبد العزيز جاويش ومحمد المويلحى والشيخ محمد عبد المطلب ومحمد توفيق البكرى وأحمد السكندرى وأحمد الهاشمى وعبد الحميد الديب وعبد الرحمن البرقوقى ومحمد أحمد جاد المولى والشيخ عبد العزيز البشرى ومصطفى عبد الرازق وعلى الجارم ود. زكى مبارك ود. أحمد أمين وعلى الغاياتى ود. عبد الوهاب عزام والشيخ عبد المتعال الصعيدى وإبراهيم مصطفى وهاشم الرفاعى وعبد الوهاب حمودة ومحمود شلتوت وأمين الخولى وسيد قطب وأحمد حسن الزيات وكامل الشناوى ومحمد عبد الحليم عبد الله وإبراهيم سلامة ومحمد نبيه حجاب وأحمد الشايب ود. أحمد الشرباصى وعباس خضر وعمر الدسوقى ود. أحمد أحمد بدوى ود. محمد غنيمى هلال وعبد السلام هارون والشيخ أحمد حسن الباقورى ود. أحمد الحوفى ود. محمود قاسم ود. مهدى علام وطاهر أبو فاشا وخالد محمد خالد والشيخ عبد الحميد كشك والشيخ محمد الغزالى ود. شوقى ضيف...إلخ...إلخ، فضلا عن الدكتور طه نفسه وإِنْ كَرِه ذلك، فهو من الذين يقادون بالسلاسل إلى الأزهر رغم أنوفهم ورغم إلقائه بعمامته في البحر في مشهد مسرحى مثير، وعلى نحو لا يليق بمن يحترم نفسه وأمته وشاراتها، بمجرد أن تحركت الباخرة نحو فرنسا (انظر أنور الجندى/ طه حسين: حياته وفكره في ميزان الإسلام/ 32) مما يومئ إلى أنه قد باع نفسه مبكِّرًا للغرب وبأسلوب فِجّ مُبْتَذَل!