فهرس الكتاب

الصفحة 20468 من 27364

وردًّا على هذا الاستبلاه الطَّاهَوِىّ في الهجوم على الأزهر والزعم بأنه لا يصلح لتدريس اللغة العربية وآدابها نسوق الكلمات التالية للأستاذ ميخائيل بهيج مرقس، التى كتبها في صحيفة"صوت مصر"بتاريخ 4/ 4/ 2005م ونقلها أ. حسنين كروم في صحيفة"القدس العربى"فى عدد الأربعاء 5/ 4/ 2005م، وهى كلماتٌ دالَّةٌ سأَدَعُها تتحدث بنفسها دون تدخل من جانبى:"وفى عودةٍ للماضى الجميل مع حاضرٍ نحلم أن يكون أكثر جمالا نجد أنه، فيما مضى، كانت بالأزهر أروقةٌ متعددةٌ أهمُّها ما سُمِّىَ بـ"رواق الأقباط"، وكان مخصّصًا لأقباط مصر الراغبين في إتقان العربية ودراسة علومها وآدابها والنحو والصرف والبلاغة...إلى آخر جمالياتها. وقد نهل من هذا الرواقِ العديدُ من مُبْدِعِى الأقباط في العربية في العقود الماضية مما أثرى لغتهم في كتابة الآداب وفنون الشعر. كما كان هناك أيضا رواقٌ مخصَّصٌ للشوام والمغاربة.. إلخ".

والواقع أن سر كراهية د. طه لقيام الأزاهرة والدَّراعِمَة بتدريس اللغة العربية هو أن طلاب هذين المعهدين كانوا يَدْرُسون المواد الدينية إلى جانب المواد اللغوية والأدبية، وكان طه حسين يريد أن ينحّى الدين عن التدريس ما استطاع. وهذا بَيِّنٌ من كلامه عن أن التعليم ينبغى أن يكون مدنيا لا علاقة للدين به، كما يتضح أيضا من تكرر طرحه للسؤال المتعلق بجواز تضمين البرنامج الدراسى مادة"التربية الدينية"وإجابته في كل مرة بأننا مضطرون حاليًّا إلى هذا التضمين، بما يشى بكل جلاء بأن هدفه النهائى هو تنحية هذه المادة تمامًا عن المنهج التعليمى، ولكنْ قليلا قليلا بحيث لا يصدم الرأىَ العامَّ فيثور عليه ويقف في طريقه. لذلك يعمد إلى هذا الأسلوب الماكر الذى يخدّر عواطف القراء حين يتحدث عن أهمية الدين في صبغ المجتمع بصبغة واحدة رغم أنه قد صرح بموقفه الحقيقى تجاهه حين كرر القول بأننا يجب أن نسير على درب أوربا وننقل كل ما عندها من خيرٍ وشرٍّ، وحلوٍ ومرٍّ، وهو ما لا معنى له إلا أن ننحِّىَ الدين عن حياتنا كما نحّته أوربا عن حياتها وأن نترك مثلا لشهوة الجنس العِنان وأن نقيم أخلاقنا وتقاليدنا وقيمنا وتشريعاتنا على أسس أخرى غير الأسس الدينية. وإلى القارئ هذه السطور التى تومئ إلى موقف طه حسين من تعليم التلاميذ والطلاب في المدارس شؤون دينهم:"إن الشعب الذى يريد أن ينشئ جيلا صالحا خليقٌ قبل كل شىء بأن يفكر في المعلمين الذين ينشئون له هذا الجيل. وليس يكفى أن تكون حياة المدرسة صالحة من الناحية المادية والمعنوية، بل يجب أن يكون التعليم فيها صالحًا أيضا. فكما أن الذلة لا تنتج عزة، فكذلك الجهل لا ينتج علما. وما ينبغى أن تكلّف المعلمَ الأولىَّ تعليم الصِّبْيَة تاريخ وطنهم، وهو يجهل هذا التاريخ أو لا يعرفه إلا مشوها منقوصا. وما ينبغى أن تكلفه تعليم الصِّبْيَة جُغْرَافْيا وطنهم، وهو يجهل هذه الجغرافيا ولا يعرف حدود الوطن ولا أقطاره. وقل مثل ذلك في اللغة، وقل مثل ذلك في النظام. وقل مثل ذلك في الدين إن أردت أن يكون الدين جزءا من التعليم الأولى" (ص112) . فهأنتذا تلاحظ بكل قوة أنه لم يشترط في تعليم التاريخ ولا الجغرافيا ولا اللغة ولا النظام شيئا، ولم يُعَلِّقه على"أنك تريد أو لا تريد"أن تكون هذه المواد جزءا من التعليم العام، لكن الأمر في حالة الدين ليس كذلك، إذ نراه يعلقه على رغبتك في جعل الدين مادة من مواد المنهج الدراسى. والمقصود بـ"رغبتك"رغبته هو، لكنه الأسلوب الملفوف الماكر الذى يبرع فيه طه حسين، ونبرع نحن بدورنا في كشفه وفضحه! وقد رأينا الرجل يقول بصراحة إنه لا يمانع"الآن"من قيام الدولة بتعليم الطلاب أمور دينهم، أما فيما بعد فبطبيعة الحال: كلا ثم كلا! وهذه هى السياسة الكيسنجرية الخبيثة! وهو ما يومئ هنا إلى ذلك بقوله:"إن أردتَ"مستعملاً"إن"الشرطية التى تفيد عادةً استبعاد حصول الشىء أو استحالته!

وبالمناسبة فالدكتور طه، بالمقياس الذى ينصبه ويطنطن به، لم يكن يصلح أن يدرّس الأدب العربى. ذلك أنه لم يتخصص في هذا المجال، فهو أزهرى، أى لا يصلح لهذه المهمة بشهادته هو نفسه عن الأزهريين، كما أنه حين ذهب إلى فرنسا قد درَس التاريخ القديم لا الأدب العربى، فضلا عن أن رسالته التى أحرز بها درجة الدكتورية من هناك كانت عن ابن خلدون، بل إن هذه الدكتوراه ليست دكتوراه الدولة بل دكتوراه السلك الثالث (الأيام/ 3/ دار المعارف/ 1972م/ 130) ، وهى أقل كثيرا من دكتوراه الدولة وتُعْطَى عادة للطلبة الأجانب الذين لا يريدون التعمق في البحث أو ليس عندهم وقت. فلو حاسبنا الرجل بكلامه لقلنا إنه لا يصلح لتدريس اللغة العربية بمقياسه هو نفسه وحسبما تقول الوثائق والشهادات! لكننا لا نقف كثيرا عند هذه الأشياء بغض النظر عن موافقتنا أو مخالفتنا له على هذا أو ذاك مما كتب، وبغض النظر أيضًا عما أخذه من هذا المستشرق أو ذاك، وبغض النظر ثالثًا عما طعن به في الإسلام وكتابه في بعض ما وضع من دراسات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت