فهرس الكتاب

الصفحة 20553 من 27364

« إني أرى فيما يظهر لي أن الأحياء التي عاشت على هذه الأرض، جميعها من صورة واحدة أولية، نفخ الخالق فيها نسمة الحياة، وعلى أن أساس هذه النتيجة المشابهة، فالتسليم بها وعدمه غير جوهريين » .

لكن يوسف كرم ( [1] ) ذكر أن داروين كان مؤمنًا بالله ثم تطور شيئًا فشيئًا حتى أعلن أسفه لاستعماله لفظ الخلق مجاراة للرأي العام، وصرح بأن الحياة لغز من الألغاز، وذكر أنه وصل إلى مذهبه (لا أدري) فهو لا يقول بالعناية الإلهية ولا يقول بالمصادفة، وأن الكلمة الأخيرة عنده هي « أن المسألة خارجة عن نطاق العقل، ولكن بوسع الإنسان أن يؤدي واجبه » .

الرأي العلمي الأخير في مذهب التطور:

يرى جمهور أهل البحث العلمي المعاصرين، والمشتغلين بعلم الأحياء، أن ما يسمى بنظرية التطور لا يرقى إلى مستوى « النظرية » . بل هو لدى التحقيق لا يزال في مستوى «الفرضية » .

وذلك لأنه لم يوجد حتى اليوم أي دليل واقعي مشاهد ولو معمليًا يرجح صحة الفرضية، ولو بمثال واحد من الأمثلة التي يصح الاعتماد عليها، كأساسٍ للتطور المقرر في النظرية المدعاة أو المتخيلة .

يقول « سير آرثر كيث » في مقال له جاء في كتاب « العلم أسراره وخفاياه » بعنوان: [داروين و « أصل الأنواع » ] .

« ويقرر بعض النقاد الحديثين للانتخاب الطبيعي، بأنه لا حول له ولا قوة في إحداث صور جديدة من النبات أو الحيوان » .

وذكر عن بعض النقاد أن كيفية حدوث التطور، أو آلية التطور الموصوفة في كتابه «أصل الأنواع » لداروين، قد تكون كلها خاطئة .

ثم قال: « وإذا كان حقيقة كذلك، فقد يصبح « أصل الأنواع » غير متمش مع الزمن إطلاقًا ».

لكن « سير آرثر كيث » من الذين يستمسكون بمذهب النشوء والارتقاء، وهو مذهب التطور الذاتي، على الرغم من أنه غير ثابت علميًا، وعلى الرغم من أنه لا سبيل إلى إثباته بالبرهان. وذلك لأنه لا خيار له إذا لم يأخذ بمذهب التطور الذاتي، إلا أن يؤمن بالحق الرباني الخاص المباشر، وهو غير مستعد لهذا الإيمان، بعد أن اتخذ لنفسه الإلحاد مذهبًا وعقيدة، لذلك فهو يقول في مكان آخر:

« إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علميًا، ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان، ونحن لا نؤمن بها إلا أن الخيار الوحيد بعد ذلك هو الإيمان بالخلق الخاص المباشر، وهذا لا يمكن حتى التفكير فيه » ( [2] ) .

موضوعات مذهب التطور وموقف المفكر الإسلامي منها:

يتناول مذهب التطور ثلاثة موضوعات:

الموضوع الأول: تطور المادة غير الحية من السديم الغازي، حتى تكونت النجوم والكواكب .

الموضوع الثاني: كيف دبت الحياة في المادة ؟ أو كيف تطورت المادة حتى كانت فيها كائنات ذوات حياة ؟

الموضوع الثالث: كيف وجدت أنواع الأحياء؟، أو كيف تطور بعضها من بعض في سلسلة مرتقية صاعدة، حتى بلغت قمة التطور عند الإنسان .

الشرح:

1 -أما الموضوع الأول، وهو فكرة تطور المادة غير الحية من السديم الغازي، حتى تكونت النجوم والكواكب .

وموقف المفكر الإسلامي من هذا الموضوع فيتلخص بما يلي:

أولاً: إن كان التطور المدعى مقرونًا باعتقاد أن هذا التطور معتمد على خطة رسمها الخالق عز وجل، فهو سنة من سننه، ويتم الأمر بخلقه، فأمر ادعائه سهل، ولا ينبني عليه مناقضة لقضية من قضايا الدين الحق .

والمنهج السليم يحتم علينا أن نترك هذه القضية للبحث العلمي، إذ ليس لدينا في المفاهيم الإسلامية ما يتعارض معها، بل قد نجد ما يلتقي معها نوع لقاء، مثل كون السماء في أول أمرها دخانًا، ومثل كون عرش الرحمن أول الأمر على الماء، ومثل تكامل عملية خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وهي أيام لا ندري مقاديرها، فهي على كل حال ست أحقاب زمنية .

على أن الموضوع لا يعدو من وجهة نظر العلم الصحيح أن يكون افتراضًا نظريًا فكريًا، قد تدل عليه بعض الأمارات التي تسمح بالتخمين، ولا تسمح بوضع نظرية جازمة.

ثانيًا: وإن كان التطور المدعى مرادًا منه التطور الذاتي، أي الذي لا يخضع لخطة خالق عليم حكيم قادر، فهو أمر مرفوض حتمًا، علميًا، ودينيًا، وفلسفيًا .

وذلك لأنه لا يسمح التطور الذاتي، لو أمكن أن يوجد، بإحداث هذه المتقنات العجيبة المترابطة في الكون كله، وليس أمام مدعي التطور الذاتي إلا ادعاء أن هذا الإتقان قد تم على سبيل المصادفة .

وقد أثبت الباحثون الرياضيون وغيرهم أن مثل هذا الإتقان الكوني العجيب من المستحيل أن يكون بالمصادفة، وأقوالهم في هذا كثيرة .

فالمصادفة في أحداث التطور الكوني المدعى مرفوضة علميًا ورياضيًا وواقعيًا، مهما تهرب الماديون من مضايق البراهين العقلية والعلمية، لافتراضات الأزمات السحيقة التي يمكن أن تسمح بمصادفة تصنع متقنًا ما .

يقول « جون أدولف بوهلر » ( [3] ) :

« عندما يطبق الإنسان قوانين المصادفة لمعرفة مدى احتمال حدوث ظاهرة من الظواهر الطبيعية، مثل تكوين جزيءٍ واحد من جزئيات البروتين من العناصر التي تدخل في تركيبه، فإننا نجد أن عمر الأرض كلها لا يكفي لحدوث هذه الظاهرة » .

2 -وأما الموضوع الثاني، وهو كيف دبت الحياة في المادة، أو كيف تطورت المادة حتى ظهرت فيها كائنات حياة ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت