فهرس الكتاب
وموقف المفكر الإسلامي من هذا الموضوع، فيتخلص بما يلي:
إن النصوص الدينية تكشف لنا أن الحياة سر من أسرار الخالق، ونفخة ربانية روحية في المادة .
فالحياة ليست نتاج المادة، بل المادة وعاءٌ لها .
لقد خلق الله جسم آدم من الطين، ولما سواه نفخ فيه من روحيه، فصار إنسانًا حيًا، بعد أن كان مادة ميتة .
وبعد أن يعلق الجنين في رحم أمه، يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقه مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح .
وعندئذ تدب فيه الحياة الإنسانية .
وحين أراد الله أن يخرق سنته في خلق عيسى عليه السلام من أم بدون لقاح أب، أرسل إلى أمه مريم الملك، فتمثل له بشرًا سويًا، قالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيًا، قال: إنما أول رسول ربك لأهب لك غلامًا زكيًا .
وتم تكوين الغلام في بطنها بنفخة كان بها إنسانًا .
قال الله تعالى في سورة (التحريم: 66) :
+ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ"."
وحين أعطى الله عيسى عليه السلام معجزة إحياء ما يصنع من الطين على هيئة الطير جعل في نفخته فيها سر الحياة .
مزاعم الماديين:
ويزعم أصحاب الفكر المادي أن الحياة من ظواهر التطور في المادة، فالحياة وما يتبعها من صفات الإحساس والإدراك والفكر والعواطف والانفعالات كلها من ثمرات تطور المادة، وصفات من صفات المادة، متى تركبت بشكل معقد كالشكل الذي ظهرت به الأحياء.
ولا يقدم الماديون لإثبات هذا الادعاء أي دليل عقلي أو علمي، لأنهم لا يملكون شيئًا من ذلك، ولم يستطيعوا بعد كل الجهود التي بذلوها أن يقدموا أي دليل علمي. وما قدموه مجرد تكهن تخيلي، ورغبات يريدون أن يكون الواقع على وفقها، ولكن الحق والواقع لا تصنعه رغبات الناس وأهواؤهم .
كشف الزيف:
هذا الادعاء الذي ادعاه الماديون مرفوض علميًا، من قبل علماء الأحياء أنفسهم .
وذلك لأن القرار الذي انتهى إليه علماء الأحياء بعد تجارب كثيرة ومتنوعة، يجزم بأن المادة الميتة لا يمكن أن تتحول ذاتيًا إلى مادة حية، وأن الحي لابد أن يتولد عن حي أو يشتق من حي .
ولم يستطع العلماء الماديون المتفرغون باهتمام شديد في الشرق والغرب لتخليق أدنى خلية حية وأقلها تركيبًا وتعقيدًا، أن يتوصلوا إلى تخليق مثل هذه الخلية من المادة، دون أن يأتي التخليق من حياة سابقة لها .
فالقرار العلمي الواقعي الأخير: إن الحياة لا تتولد إلا من حياة .
كما كان قد قرر ذلك من قبل، العلماء المؤمنون بالخلق الرباني من علماء الأحياء، مثل: « أغاسيز » . وأخيرًا العالم الفرنسي الشهير « باستور » ( [4] ) مكتشف جراثيم الأمراض.
ومع ذلك فقد ظل الماديون يرغبون في اعتقاد أن الحياة ظهرت نتيجة تطور المادة تطورًا ذاتيًا، واعتبروا ذلك اعتقادًا فلسفيًا، لأنه لا بدليل بعد رفض هذا الاحتمال إلا بالإيمان بالخلق الخاص المباشر، وهذا أمر يرفضونه، لأنهم لا يريدون الإيمان بخالق غيبي لا يشاهدونه. هكذا اعتباطًا من غير ذلك، على الرغم من أنهم يؤمنون بغيبيات كثيرة يستنتجونها استنتاجًا نظريًا فلسفيًا، دون أن يكون لها شواهد من الواقع المشاهد .
وحين يؤمنون بغيبيات عن حواسهم وأجهزتهم تثبتها لهم استنتاجاتهم النظرية، كصفات الذرة وخصائصها، نجدهم ينكرون على أصحاب الاستنتاجات الفكرية النظرية العقلية، ما توصلهم إليه استنتاجاتهم المتعلقة بغيبيات دينية، حول الخالق عز وجل وصفاته العظيمة .
هذا منهم تناقض مع أنفسهم، يؤمنون بسلامة الاستنتاج العقلي حينًا، ويجحدونه وينكرون على من يستند إليه حينًا آخر .
والمتتبعون للماديين في مجالات العلوم، وفي مجالات الحياة المختلفة، يلاحظون أن الماديين لا ينفكون عن الاعتماد على الاستنتاجات الذهنية العقلية، بل يسرفون أحيانًا إسرافًا شديدًا في الاعتماد عليها، كالاستنتاجات السياسية التي تمس أشخاصهم ومبادئهم ومذاهبهم ومنظماتهم الحزبية والإدارية .
مقولة من العلماء الطبيعيين حول النشوء الذاتي:
جاء في كتاب « التطور عملياته ونتائجه » ( [5] ) ما يلي:
« لم تعد نظرية النشوء الذاتي تحظى باحترام البيولوجيين، بعد عمل « ريدي » ( [6] ) و « سبالنزاني » .
ولكن اكتشاف البكتيريا غير ذلك، فهذه كائنات حية أبسط مما كان يتصور فيما مضى، والبكتيريا موجودة في كل مكان، وكان من الصعب جدًا أن لا توجد في أي وسط مناسب لنموها. وقد كان احتمال حدوثها ذاتيًا داخل أي وسط عضوي فكرة كثير من المعضدين المناصرين. (أي: لفكرة النشوء الذاتي) .
ولكن تجارب « باستور » المشهورة قد نقضت ذلك تمامًا، فقد حفظ حساء مغليًا في إناء مقفل لا يدخل فيه الهواء إلا من خلال أنبوبة شعرية ملتوية، لتكون بمثابة مصيدة للجزيئات الصلبة، وبذلك كان الحساء معرضًا للتأكسد لوصول الهواء إليه، ولكن لم تظهر فيه بكتيريا (لأنها علقت في الأنبوبة ولم تصل إليه، فكانت بمثابة مصفاة لها) .