فهرس الكتاب
ولهذا كان من الواضح أن الهواء الحامل للبكتيريا هو الذي يصيب الحساء المعرض، وأن البكتيريا نفسها قد نشأت فقط من البكتيريا التي سبق وجودها. وقد كانت هذه هي الضربة القاضية على فكرة النشوء الذاتي للكائنات المعقدة .. ».
مقولة مادي مكابر:
وفي مقال بعنوان « أصل الحياة » لجورج والد، وهو مقال جاء في كتاب «العلم أسراره وخفاياه » نجد أن هذا المختص في علم الأحياء قد ظل من الذين يعتقدون فكرة التولد الذاتي للحياة من المادة غير الحية اعتقادًا فلسفيًا، رغم اعترافه بأن تجارب «باستور » عندما أتمها تقوضت أركان عقيدة التولد الذاتي .
ورغم اعترافه هذا قال ما يلي:
« ونحن ننقل إلى المبتدئين في دراسة علم الأحياء هذه القصة لتمثل انتصار العقل على الاعتقاد، وهي تمثل في الحقيقة عكس ذلك تقريبًا .
فالنظرة المصيبة هي الاعتقاد في التولد الذاتي، والبديل الآخر الوحيد لها هو الاعتقاد الخلق الخارق للطبيعة، الذي يعد حدثًا فريدًا وأساسيًا، ولا يوجد بديل ثالث لهما.
ولهذا السبب فقد اعتبر كثير من المشتغلين بالعلوم منذ قرن مضى عقيدة التولد الذاتي ضرورة فلسفية. وإن من أعراض عجزنًا الفلسفي حاليًا أن هذه الضرورة فقدت تقديرها.
وبرغم أن أحدث المشتغلين بعلم الأحياء قد أثلج صدورهم انهيار عقيدة التولد الذاتي، فإنهم ليسوا على استعداد لتقبل العقيدة البديلة لها، وهي الخلق الخاص، ومن ثم فقد فقدوا جميع الاحتمالات .
وإني لأعتقد أنه ليس ثمة اختيار أمام المشتغل بالعلوم سوى أن يتفهم أصل الحياة عن طريق التولد الذاتي » هـ .
التعليق:
هكذا نلاحظ أن القائلين بالتولد الذاتي قد طرحوا مقتضيات الدلائل العلمية، ولجؤوا إلى الاعتقاد الذي أسموه اعتقادًا فلسفيًا، مع أنه لا سند له من العقل، ولا سند له من العلم، كل ما في الأمر أنهم غير مستعدين للإيمان بالخلق الرباني .
لماذا ؟ . ليس لديهم جواب، إلا أن مذهبهم المادي الإلحادي الذي لا دليل عليه من العقل ولا من العلم يفرض عليهم أن يرفضوا قضية الإيمان بالله، ثم لا بديل بعد ذلك إلا الاعتقاد بالتولد الذاتي، إذْ هو الاحتمال الوحيد بعد رفض الإيمان بالله وخلقه للأشياء .
وهكذا يظهر بشكل مفضوح جدًا تهافت القائلين بنشأة الحياة عن طريق التولد الذاتي، ويظهر تعصبهم الأعمى ضد قضية الإيمان بالله الخالق العليم الحكيم القدير .
3 -وأما الموضوع الثالث، وهو كيف وجدت أنواع الأحياء؟، أو كيف تطور بعضها من بعض في سلسلة مرتقية صاعدة، حتى بلغت قمة التطور عند الإنسان؟ .
وموقف المفكر الإسلامي من هذا الموضوع، فيتلخص بما يلي:
نظرة إلى فكرة تطور أنواع الأحياء:
لقد درس « داروين » ومن جاء بعده من الذين نقحوا آراءه أنواع الأحياء، ما كان منها حيًا وقت الدراسة، وما جمعوه من الحفريات التي قاموا بها، وما شهدوه من دفائن القرون الأولى في الصخور والكهوف، وما جمعوه من مخلفات الأحياء في الرمال، وبقايا السيول القديمة، وما استخرجوه من محفوظات الثلوج المتراكمة من أزمان قديمة، فانتهوا إلى حقائق وصفية بنوا عليها تفسيرات احتمالية تخمينية .
وأهم الحقائق الوصفية التي توصلوا إليها ما يلي:
1 -وجود التشابه في خطة بناء الأجسام، وفي سلوك الكائن الحي .
2 -وجود بعض زوائد في بعض الأجسام، كالزائدة الدودية عند الإنسان، دون أن يكون لها وظيفة في جسم الإنسان حاليًا، كما بدا لهم ( [7] ) ، وكاستطالة سلسلة الظهر السفلي عند بعض الناس استطالة تشبه بقايا ذيل تقاصر، فهو كما بدا لهم في طريقة إلى الزوال .
3 -تأخر وجود بعض أنواع الأحياء على سطح الأرض عن بعض .
فمن ظاهرة التشابه، ووجود بعض الزوائد التي ليس لها وظائف حاليًا كما بدا لهم، وتأخر وجود بعض أنواع الأحياء عن بعض وفق حساب أعمار أقدم ما اكتشف من أجسامها المدفونة ومتحجراتها، استنتج « داروين » والذين نقحوا فكرة التطور من بعده استنتاجًا فكريًا، أن الكائنات الحية تطورت تطورًا ذاتيًا تصاعديًا، من أدنى الكائنات الحية حتى الإنسان الذي هو أعلاها كمالاً .
وكانت « الأميبا » هي أدنى الكائنات الحية في التصور، ثم جاء التصحيح إلى «الباكتيريا » التي هي أدنى من الأميبا بعد اكتشافها، ثم جاء التصحيح إلى «الفيروس » الذي هو أدنى من الباكتيريا بعد اكتشافه، فالفيروسات في نظرهم الآن تتوسط الحد الفاصل بين الحي وغير الحي .
كشف الزيف:
لكن هذا الاستنتاج استنتاج احتمالي نظري، وليس أمرًا علميًا مؤيدًا بشواهد من الواقع، إذ لم يلاحظ الباحثون في الطبيعة ولا في المختبرات حالة واحدة من حالات التطور المتخيلة في الاستنتاج، لكن التخيل طرح ذلك على الأحقاب الزمنية الغابرة، وتخلص من المطالبة بالشواهد من الواقع .