فهرس الكتاب

الصفحة 20556 من 27364

على أن التطور لو ثبت علميًا بشواهد من الواقع في الطبيعة، فإنه لا يفيد أن التطور حدث ذاتيًا، بل النظرة الإيمانية القائمة على ملاحظة الحكمة في الخلق تقدم البرهان على أن خطة الخالق قد رتبت عمليات الخلق وفق سنة التطور، كما رتبت عملية خلق الإنسان وفق أطواره حتى يكون نطفة، فجنينًا، فطفلاً، فيافعًا، فبالغًا أشده، فما وراء ذلك من أطوار.

ومن البدهي أن التشابه في الأنواع المختلفة لا يقتضي النسب بينها، ولا يستلزمه عقلاً، فالأمر يتوقف على ثبوت ذلك النسب بشكل واقعي، نعم قد يكون إحدى الأمارات الضعيفة.

وكذلك تأخر ظهور بعض الأنواع الراقية عن أنواع سابقة لها في الوجود، لا يقتضي أن السابق أب أو جد لما ظهر بعده، إذ الاحتمال الأقرب للتصور أن يكون مبدع النوع الأول قد أبدع بعده النوع الأرقى، ثم أبدع بعد ذلك الأرقى فالأرقى، ثم أبدع أخيرًا الإنسان.

وهذا ما نلاحظه في سلسلة المبتكرات والمخترعات الإنسانية، فاللاحق كثيرًا ما يكون وليد فكر المبدع ونتاج عمله، بالاستناد إلى ملاحظته للسابق، وليس ثمرة التطوير للسابق نفسه في واقع العمل، بحذف شيء منه وإضافة شيء إليه، فالعملية تكون عملية فكرية، ويأتي التطبيق الواقعي غالبًا بناءًا جديدًا .

ومهما يكن من أمر فالاحتمالات أمران متكافئان إمكانًا، بشرط ربط كلٍ منهما بأنه مظهر لاختيار مدبر خالق حكيم .

أما التطور الذاتي إلى الأكمل دون تدبير حكيم عليم قدير خالق، فهو أمرٌ مستحيل عقلاً، إذ الناقص لا ينتج الكامل في خطةٍ ثابتة، وهو بمثابة إنتاج العدم للوجود .

وإحالة الأمر على المصادفة إحالة على أمر مستحيل علميًا ورياضيًا في عمليات الخلق الكبرى .

وقد قرر أصحاب فكرة التطور أزمانًا سحيقة لظهور الكائنات الحية المتطورة، ثم لظهور الإنسان الأول، واعتبروا هذه الأزمان كافية نظريًا لحدوث التطور .

إلا أن علماء الفيزياء والجيولوجيا قد أظهروا منذ عام (1950م) وما بعده عدم صحة ما حدده أصحاب مذهب التطور من أزمان سحيقة، فعمر الحياة في الأرض أقصر من تقديرهم بكثير، وعمر الأرض أيضًا أقل مما قدروه بكثير، فما يلزم في رأيهم للتطور الذاتي من زمن غير متوافر في الواقع مطلقًا .

واعترف بذلك القائلون بالتطور أنفسهم، فقد جاء في مقال بعنوان «نظرية التطور منقحة » بقلم « روث مور » بكتاب « العلم أسراره وخفاياه » :

« منذ عام (1950م) والشواهد العلمية تشير بلا مهرب منه إلى حقيقة واحدة، هي أن الإنسان لم يظهر سواء في الوقت أو بالطريقة التي يقول بها «داروين » وعلماء التطور الحديثون، فلقد أظهر علماء الفيزياء والجيولوجيا منذ عام (1950م) بوضوح أن العالم أقدم، وأن الإنسان أصغر سنًا كثيرًا عما اجترأ أي واحدٍ على تقديره من قبل ... » .

ونظيره قول « جون أدولف بوهلر » الذي سبق عرضه في هذا الفصل.

بعد هذا أقول:

إن فكرة التطور لو ثبتت علميًا فإننا لا نجد في الإسلام نصوصًا ترفضها، ما دام الأمر راجعًا إلى حكمة الله الخالق وتقديره، باستثناء خلق الإنسان الذي جاء في القرآن والسنة وصف صريح حول الطريقة التي تم بها خلقه، فهي طريقة ظاهرها ينافي أن يكون الإنسان متطورًا من سلسلة الحيوانات التي يه دونه في الخلق .

لكن يبدو أن من المتعذر أن تثبت فكرة التطور علميًا، فهي ستظل في دائرة الاحتمال الإفتراضي، والله أعلم .

على أن القرآن الكريم قد وجه للسير في الأرض والبحث فيها لمعرفة كيف بدأ الله الخلق، فقال الله عز وجل في سورة (العكنبوت) :

+ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) "."

ولابد أن يكون هذا النظر هاديًا، إلى دلائل الإيمان بالله الخالق، لا إلى عكس قضية الإيمان .

( المرجع:"كواشف زيوف"للأستاذ عبدالرحمن حسن حبنكة الميداني ، ص 317-332) .

( [1] ) انظر: كتابه « تاريخ الفلسفة الحديثة » ص354 - 355 .

( [2] ) انظر: كتاب « صراع مع الملاحدة » للمؤلف .

( [3] ) عن كتاب « الإنسان في الكون » للدكتور: عبدالعليم عبدالرحمن خضر .

( [4] ) هو لويس باستور أو (باستير) . عاش ما بين (1822- 1895م) . كيميائي فرنسي. أدت تجاربه على البكتيريا إلى القضاء على فكرة التولد الذاتي، كما أدت بحوثه في النبيذ والخل والجعة إلى نشوء البسترة، فالمأكولات والمشروبات المبسترة، أي: المحفوظة من تسرب البكتيريا إليها، تسمى مبتسرة نسبة إلى مكتشف الطريقة « باستور » . من أعماله أنه حل مشكلات التحكم في دود الحرير، وكوليرا الدجاج، ونمّى التطبيق الفني لعملية التطعيم ضد مرض الجمرة، وبعد ذلك ضد داء الكلب.

( [5] ) تأليف « اداورد . أو . دودسن » ترجمة: « د. أمين رشدي حمدي. ود: رمسيس لطفي » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت