1 -مهد لأفكاره برسم صورة لواقع مجتمعات الدول الصناعية الراقية الغربية، وحاول أن يجد في هذا الواقع ما يمكن أن يطلق منه نيران الثورة على الإدارات الحاكمة داخل شعور هذه الدول .
2 -أما السلاح الناري الذي أراد تفجيره لدى المستعدين لأن يستجيبوا لأفكاره، فهو سلاح الحرية .
واستخدم لتفجيره زخرف القول الذي حاول فيه أن يضع مفهومًا للحرية، إذ جعل الحرية قسمين: حرية سطحية تافهة لا قيمة لها، لكنها تخدر أصحابها، وتجعلهم يستكينون. وحرية حقيقية جوهرية، وهي التي يملك أصحابها إدارة أنفسهم بأنفسهم، دون أن يكون لأحد سلطان عليهم .
3 -حافظ في فلسفته التي عرضها على البناء الذي أسسه من قبله شياطين يهود، وهو البناء القائم على المادية الإلحادية الإباحية التحررية الفوضوية .
4 -أقام فلسفته المزيفة على دعامتين رئيسيتين:
الدعامة الأولى: فكرة مؤسس الشيوعية اليهودي « كارل ماركس » في «النظام الجماعي » الذي يمثله في الإدارة صفوة من الأفراد، وهي الفكرة التي تدعمها آراء عالم الاجتماع اليهودي «دوركايم » في خرافة « العقل الجمعي » التي سبق شرحها .
الدعامة الثانية: فكرة مؤسس مدرسة التحليل النفسي، اليهودي «فرويد » ، القائمة على توحيد الدوافع الإنسانية كلها بالدافع الجنسي، ووجوب إطلاق هذا الدافع ليحقق رغباته، دون أية قيود دينية أو خلقية أو قواعد وأنظمة وعادات اجتماعية، أو غير ذلك.
5 -أبان في رسمه لصورة واقع مجتمعات الدول الرأسمالية الغربية، أن تقنية «تكنولوجيا » المجتمعات الصناعية الراقية، قد جعلت في وسع هذه المجتمعات أن تزيل التناقضات الموجودة فيها، وذلك من خلال استيعاب جميع أولئك الذين كانوا في ظل الأنظمة الاجتماعية السابقة يشكلون قوى انشقاقية، وأصواتًا رافضة .
وقد حصل هذا الاستيعاب بسبب الكفاية والوفرة المادية، وتحرر الكثرة الكاثرة من الحاجة المادية، فلم تعد هذه الحاجة المادية تضغط عليهم، لتطلق منهم أصوات الرفض للواقع الذي يعيشونه، وتشكل منهم القوى الانشقاقية عن المجتمع .
لكن تلبية احتياجات الناس المادية، التي أزالت أسباب انشقاقهم واحتجاجاتهم وتمردهم، قد ولدت لديهم العبودية والاستكانة لإدارتهم الحاكمة، وطبقاتهم المالكة لرؤوس الأموال، فغدوا أدوات سلبية للنظام السائد، يدعمون استمراره باستكانتهم، وبرضاهم بما حققه لهم من سعادة مادية، وبعدم قيامهم بأي احتجاج أو رفض، أو تحرك لإحداث قوى منشقة.
لكن هذه السعادة التي نالوها، واستكانوا بسب تخديرها لهم سعادة سطحية وهمية مزيفة. مثلها كمثل الدعايات التجارية حينما تتوسل لإغراء الجماهير بالرسوم والصور الجنسية، دون أن تحقق لهم الإشباع الجنسي الحقيقي الذي يتطلبونه .
وزعم « ماركوز » أن لدى الإنسان قسمين من الاحتياجات:
القسم الأول: الاحتياجات الحقيقية .
القسم الثاني: الاحتياجات الزائفة .
وزعم أن الاحتياجات الزائفة في حياة الإنسان، هي التي يتم بها إخضاع الفرد، وحرمانه من حريته الحقيقية، التي هي إدارة نفسه بنفسه، وعدم استكانته وخضوعه لأية سلطة مهما كانت .
فالكفاية والوفرة قد كان من نتائجها توليد الاستكانة والخضوع والعبودية لدى المجتمعات الغربية، بسب ما حققتا لها من تأمين احتياجاتها الزائفة السطحية، القائمة على سعادة الجسد ومتعته، وهي سعادة زائفة، لكنها بسبب ذلك تخدرت فلم تعد تنشد احتياجاتها الحقيقية، وهي حريتها الحقيقية، التي يكون الإنسان فيها سيد نفسه بنفسه لا يخضع معها لأحد .
لكنّ مصلحة الإنسان الحقيقية إنما تتمثل بحصوله على احتياجاته الحقيقية، وهذه مسؤولية الصفوة المثقفة الواعية .
إذ أن الأكثرية من الناس قد أصبحوا راضين تمامًا عن مجتمع الكفاية والوفرة، وسعداء بما تقدمه الإدارة لهم من سلع وخدمات، والعامل لا يشعر بأن رئيسه يتفوق عليه في مأكل أو مشرب أو ملبس أو مركب، حتى إنهما يشاهدان برامج تليفزيونية واحدة، ويقرآن جريدة واحدة، ويرتادان أماكن الترويح عن النفس بمستوى واحد .
ولا يعني هذا زوال الطبقات، بل هو يدل على المدى الذي يمكن أن يصل إليه إشباع الحاجات، الذي يخدم هدف الحافظ على السلام الاجتماعي ( [4] ) .
يضاف إلى ذلك أن الإدارة استطاعت أن تمتص كل أوقات فراغ هذا المجتمع الصناعي الراقي، فأوقات فراغ الناس فيه لم تعد حرة برغم ازدهارها ضمنه .
وأظهر «ماركوز » استياءه من أن ظروف العمل في المجتمع الصناعي الراقي تميل إلى جعل العامل سلبيًا، وتقضي على أي شعور لديه بمعارضة النظام، وأن ما تستحدثه الدولة من مؤسسات تنشد بها الإصلاح الاجتماعي، يكون في الوقت نفسه وسيلتها للسيطرة على حياة الذين ينعمون بفوائد ومزايا هذه المؤسسات، بسبب هيمنتها على مستوى معيشتهم ( [5] ) ، وكلما زاد استهلاك الناس كان ذلك ادعى إلى إضعاف حوافز تقرير المصير. سواء في ذلك الدولة الصناعية الغربية والدولة الشيوعية .