فهرس الكتاب
6 -ورأى «مركوز » أن هذا الواقع في المجتمع الصناعي الراقي، يمكن أن يكون مدخلاً إلى مستقبل ينتهي فيه النزاع بين الطبقات، ذلك لأن المجتمع الصناعي الراقي، هو بحق نظام توازن القوى الذي يتحقق بسيطرة النخبة من المتنافسين على الحكم، ولا يمكن أن يكون حكم النخبة من السياسيين إلا انعكاسًا لصالح هذا النظام، الذي يتمتع فيه أفراد النخبة بما يقرب من السيطرة التامة عليه .
وهذا أمر يسوؤه ويغيظ المخطط اليهودي العالمي .
7 -ويرى «ماركوز » أن الوارث الطبيعي للنظام الحر «الليبرالي » ( [6] ) الذي أخذ الغرب يطبقه في ديمقراطياته، هو النظام الجماعي « التوتاليتاري » ( [7] ) أي: النظام الاستبدادي باسم الجماعة .
قال: وهذا النظام هو المسيطر حاليًا على الأفكار الصناعية الراقية، ومعنى ذلك أن النظاميين الشيوعي والغربي متشابهان، أو أنه يوجد في النظام الغربي قوى متناهية، يمكن أن تعتبر مماثلة للنظام الفاشي أو الشيوعي .
لكن «التوتاليتارية » أي: الاستبدادية الغربية لا تعبر عن نفسها من خلال الحكم «الديكتاتوري » الاستبدادي الصريح، بل من خلال القضاء على الثقافة القديمة والفن القديم، بالمؤسسات الحديثة، التي من شأنها تصفية الإنسان ذي النظرتين، ليحل محله الإنسان ذو النظرة الواحدة، ومن هنا أخذ « ماركوز » عنوان كتابه « الإنسان ذو النظرة الوحدة » .
ويعني بالنظرة الواحدة نظرة الإنسان إلى حاجاته الجسدية، وإهماله لحاجاته الحقيقية، التي تتحقق بحريته الحقيقية في أن يكون سيد نفسه بنفسه، لا يخضع لأحد، ولا يستكين لأحد. (أي: إن الثقافة الغربية جعلت الإنسان الغربي لا ينظر إلا بعين احتياجاته الجسدية المادية فقط) .
ورأى أن اللغة المعاصرة في المجتمعات الغربية، قد انحطت حتى صارت خادمة للنظام الجماعي «التوتاليتاري » الغربي المعاصر، فقد غدت مجرد اختصارات ورموز لأشياء مادية، حتى الرغبة الجنسية بإطلاقها وإشباعها بطريقة سطحية، قد صارت من الأدوات الخادمة للنظام الاستبدادي القادم، على ما خلاف ما كان يقصد إليه «فرويد » .
8 -بعد أن عرض « ماركوز » تصوراته السالفة عن المجتمعات الغربية، رأى أنه قد هيأ ما يلزم لتوجيه مخططه الثوري، ويبرز ذلك بالنقاط التالية:
• إن مصلحة الإنسان الحقيقية إنما تتحقق بحصوله على احتياجاته الحقيقية، التي تكون بحريته في إدارة نفسه بنفسه، وبأن يكون هو سيد نفسه بنفسه، لا سلطان لأحد عليه .
• لكنّ الجماهير في المجتمعات الغربية الصناعية الراقية قد أصبحت راضية سعيدة، مخدرة بما تقدم لها هذه المجتمعات من تأمين احتياجاتها السطحية الزائفة .
• فمسؤولية إيصال هذه الجماهير الراضية المخدرة بأمور زائفة، للمستوى الذي تحصل فيه على احتياجاتها الحقيقية، إنما تقع على الصفوة الواعية من الناس، فهي التي تستطيع تغيير هذا الواقع، وتحقيق الأمر المنشود، لأنها هي الأكثر وعيًا بمتطلبات العصر وبمتطلبات الأكثرية.
• ولا سبيل أمام الصفوة لتأسيس مجتمع المستقبل القائم على العقلانية والتحرير والتسامح إلا بالثورة والاستيلاء على مقاليد الحكم، وإعلان ديكتاتورية الأقلية .
• ووسيلة الصفوة إلى ذلك القوى الثورية الحقيقية، وتتألف عالميًا من الحركات الطلابية، وأنصار جهات التحرير والثورة الثقافية .
وخصص « ماركوز » جزءًا من فلسفته، للثورة الطلابية، ونوه بطابعتها الجمالي الذي زعمه، وبلغتها التي أطلق عليه اسم لغة الروح ولغة الثقافة «الهيبة » .
• وتبرز في اليسار الذي ينتمي إليه « ماركوز » عناصر المنبوذين، والخارجين على تقاليد المجتمع، ولا يقيمون وزنًا لدين أو خلق أو عرف أو تقاليد أو عادات أو قواعد اجتماعية، ويعرفون بالهيبيين، والبوهيميين .
• وطبيعي أن تستغل الثورة عند قيامها كل المضطهدين والمستغلين من قبل مجتمعاتهم، لأي سبب من الأسباب، مع كل المجرمين في الأرض، لتحقق أهدافها .
كشف الزيف:
1 -إن أفكار «ماركوز » التي سبق عرض أهمها، لا تحتاج فيما أرى إلى باحث متعمق يكشف زيوفها، فكلها زيوف، وما فيها من صدق لا يتعدى بعض أوصاف ذكرها لواقع المجتمعات الغربية، وبعض أفكار .
2 -على أن الفكرة الأساسية التي أظهر حماسته من أجلها، وأراد إقامة الثورات على نظم المجتمعات الغربية وإداراتها، بسبب حرمان جماهير هذه المجتمعات منها، وهي ما أسماه بالاحتياجات الحقيقية إلى الحرية الحقيقية، في أن يكون الإنسان سيد نفسه بنفسه، لا سلطان لأحد عليه، وهي التي حرمته منها نظم المجتمعات الغربية وإداراتها، وجعلته بوسائلها التخديرية راضيًا سعيدًا، إذ منحته احتياجاته المادية الزائفة، فخدرته بها .
هذه الفكرة الأساسية التي من أجلها يريد أن يقيم الدنيا ويقعدها، لم يتضمن برنامج الثورة التي يدعو إلى تحقيقها، بل يتضمن تحقيق نقيضها تمامًا .
إن برنامج الثورة التي يدعو إليها يقرر إقامة الحكم المنشود على أساس ديكتاتورية الأقلية.
وحين يقام الحكم على أساس ديكتاتورية الأقلية، فماذا سيكون نصيب جماهير الأفراد من الحرية، سواء في احتياجاتهم الحقيقية أو الزائفة بحسب مزاعم «ماركوز » ؟