فهرس الكتاب
وتفسح صدرها لاتخاذ بعض الوسائل التي يوجب المنطق السليم اتخاذها، ارتكابًا لأخف الضررين، ووسيلة لدفع أشدهما، وذلك حينما يتعذر اتخاذ وسيلة أخرى لا ضرر فيها مطلقًا .
وقاعدة الإسلام في ذلك تحددها البنود التالية:
البند الأول: يجب أولا أن تكون غايات الإنسان في حياته مقيدة بما أذن الله به في شريعته لعباده .
فما كل غاية تبدو للإنسان يجوز له أن يجعلها إحدى غاياته، ما لم تكن غاية مأذونًا بها شرعًا .
البند الثاني: يجب ثانيًا أن يكون سعي الإنسان إلى غاياته المأذون بها شرعًا، ضمن الوسائل التي ليس فيها إهدار لحق أو عدل أو فضيلة أو واجب، وليس فيها ارتكاب لمحرم من المحرمات الشرعية، وليس فيها إسراف ولا تبذير وبذل ذي قيمة عالية وسيلة لتحقيق ذي قيمة حقيرة .
البند الثالث: إذا تعارض في حياة الإنسان - ضمن قواعد الحق والعدل والفضيلة والواجب - واجبان، ولم يمكن بحالٍ من الأحوال أو وجه من الوجوه تحقيقهما معًا .
أو تعارض محرمان، ولم يمكن بحالٍ من الأحوال أو وجه من الوجوه تركهما معًا .
أو تعارض ضرران، ولم يمكن بحال من الأحوال أو وجه من الوجوه دفعهما معًا .
فقاعدة الإسلام عند وجود هذا التعارض الذي لم يمكن تفاديه بوسيلة من الوسائل المأذون بها شرعًا بوجه عام، تتلخص بما يلي:
أولاً: ترك أدنى الواجبين لتحقيق آكدهما، فيؤثر المسلم القيام بآكدهما، وأكثرهما وجوبًا، ويترك الواجب الأدنى .
كمن كان في صلاة مفروضة فداهم العدو بلاده غازيًا، ولو تأخر حتى أنهى صلاته لأعطاه فرصه سانحة للظفر بالمسلمين، فالواجب والحالة هذه أن ينصرف من الصلاة لجهاد العدو، لأن واجب الجهاد في هذه الحالة أقوى من واجب إتمام الصلاة، بالنظر إلى النتائج التي تتحقق بكل منهما .
وكما لو تعارض في حياة أمة واجب التنمية الاقتصادية، وواجب صيانة الدين والخلق والفضيلة، والعلم الضروري لهذه الأصول، فالواجب والحالة هذه أن تحرص الأمة على صيانة هذه الأمور، ولو أفضى ذلك إلى التقصير بتحقيق واجب التنمية الاقتصادية، على أن الله عز وجل سوف ييسر للأمة وسائل هذه التنمية المطلوبة، مكافأة لها على ما ألتزمت به من واجب أجل في شريعته لهم .
وكما لو تعارض في حياة الأمة الإسلامية واجب إعلاء كلمة الله في الأرض، وواجب صيانة أنفسها من القتل أو القرح، وصيانة غيرها من مضار القتال، ولم تجد الوسائل الأخرى لتحقيق الواجب الإلهي الذي هو حق الله على عباده جميعًا، فالواجب والحال هذه أن تعرض أنفسها وغيرها لمضار القتال الذي يرجى تحقيق الغاية الدينية العظمى به، لأن الكفر بالله وسيادة حكم الطاغوت سيودي بالإنسانية إلى ما هو شر من المضار التي قد تحدث بالجهاد المقدس.
ثانيًا: ارتكاب أخف المحرمين لدفع الوقوع بأشدهما، فيؤثر المسلم ارتكاب المحرم الأخف، ليدفع ارتكاب المحرم الأشد، إذا لم يجد وسيلة أخرى مباحة، يجتنب بها المحرمين معًا.
كما لو هدد إنسان بالقتل المحقق إذا لم يرتكب مثلاً جريمة السرقة، فالواجب والحالة هذه أن يختار أخف المحرمين وهي السرقة، ليدفع عن نفسه القتل الذي يعتبر التمكين منه أشد حرمة، إذ القتل أشد تحريمًا من السرقة .
وكما لو تعرضت حياة إنسان بريء للقتل على يد ظالم، ولم يكن دفع ذلك عنه إلا بارتكاب وسيلة الكذب، فالواجب والحالة هذه دفع أشد المحرمين بأخفهما، وظاهر أن الكذب على الظالم أخف عند الله من تعريض مسلم بريء لظالم يريد قتله أو تعذيبه تعذيبًا شديدًا .
ثالثًا: تحمل أهون الضررين وأخفهما وسيلة لدرء أشدهما، كما لو أصيب عضو من أعضاء الإنسان بمرض لا يستطاع إيقاف سريانه إلى سائر الجسد إلا ببتره، وإلا سرى فقتل صاحبه، فالواجب والحالة هذه بتر العضو العليل حماية لسائر الجسم، ومن البدهي أن فقد العضو الواحد أهون وأخف من فقد الأعضاء كلها .
ولما توقفت سلامة الأمة في أخلاقها ودينها وأمنها على قطع أيدي السارقين، وجلد الزناة أو رجمهم، وإنزال أشد العقوبات بقطاع الطرق، كان ذلك أمرًا حتمًا في أحكام الشريعة الإسلامية، تقضي به ضرورة ارتكاب أخف الضررين وسيلة لدرء أعظمهما .
رابعًا: إذا تساوى الواجبات المتعرضات، أو المحرمان المتعارضان، أو الضرران المتعارضان، فالمسلم بالخيار، له أن يختار أحد المتعارضين ولو كان الذي اختاره أحب إلى نفسه.
وتشتبه أمور، فيختلف فيها الفقهاء المجتهدون، كالإكراه على الزنا .
وتختلف أمور باختلاف الناس، ومنها الإكراه على إعلان الكفر .
فمن كان هو من آحاد الناس، فله أن يقول كلمة الكفر لينجي نفسه من القتل، بشرط أن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان، وله أن يصبر ويقتل شهيدًا، لأن ثباته على إعلان الحق قد ينفع دعوة الإسلام، فيجلب به من صفوف المشركين أو الكافرين عمومًا أناسًا يسلمون بتأثير صموده .
وقادة الدعوة إلى الله، المعروفون بها، ينبغي لهم أن يثبتوا على إعلان الحق، ولو استشهدوا في سبيل الله، وهو بالنسبة إليهم أفضل .
أما الرسل فلا رخصة لهم في أن يقولوا كلمة الكفر، لينجوا أنفسهم من القتل، لأن ذلك ينقض رسالتهم .