ورجح الدكتور ضياء الدين الريس أن مرجليوث اليهودي الذي كان أستاذاً للغة الغربية في أكسفورد بريطانيا هو كاتب الكتاب.. لأن آراء الكتاب هي آراؤه التي كتبها من قبل عن الدولة الإسلامية، وفندها الدكتور ضياء الدين الريس في كتابه (النظريات السياسية في الإسلام) وأثبت خطأها وبطلانها بالأدلة العلمية.. وهو يكتب عن الإسلام بنزعة حقد شديد، ويتسم أسلوبه بالمغالطات والمعلومات المضللة، والقدرة على التمويه.. كما يتصف بالالتواء.. وهذه الصفات كلها تظهر في هذا الكتاب المنسوب إلى الشيخ عبد الرازق.. ومعروف أن الشيخ علي عبد الرازق ذهب إلى بريطانيا وأقام فيها عامين.. فلا بد أنه كان متصلاً بالمستر مرجليوث. أو تتلمذ عليه.. وكذلك توماس أرنولد الذي يشير إليه الشيخ ويصفه بالعلامة قد ألف كتاباً عن الخلافة هاجم فيه الخلافة بوجه عام، والعثمانية بوجه خاص .. وقد نقدناه (القول للدكتور الريس) في كتابنا (النظريات السياسية الإسلامية) . والقصة تتلخص في أنه إبان الحرب العالمية الأولى والحروب دائرة بين الخليفة العثماني وبريطانيا .. أعلن الخليفة الجهاد الديني ضد بريطانيا ودعا المسلمين أن يهبوا ليحاربوها، أو يقاوموها.. وكانت بريطانيا تخشى غضب المسلمين الهنود بالذات أو ثورتهم عليها.. في هذه الفترة كلفت المخابرات البريطانية أحد المستشرقين الإنجليز أن يضع كتاباً يهاجم فيه الخلافة وعلاقتها بالإسلام، ويشوه تاريخها ليهدم وجودها ومقامها ونفوذها بين المسلمين .. وقد استخدمت السلطات البريطانية هذا الكتاب في الهند وفي غيرها .. وبعد أن انتهت الحرب كان الشيخ عبد الرازق قد اطلع على هذا الكتاب أو عثر عليه.. هذا إن لم يفرض أن هذا كان باتفاق بينه وبين هذا المستشرق الذي اتصل به حينما كان في إنجلترا أو في بعض الجهات البريطانية التي كانت تعمل في الخفاء للقضاء على فكرة الخلافة، أو التي تحارب الإسلام.. فأخذ الكتاب إلى اللغة العربية، أو أصلح لغته إن كان بالعربية، وأضاف إليه بعض الأشعار أو الآيات القرآنية التي تبدو أنها لم تكن في أصل الكتاب، وبعض الهوامش والفقرات، وأخرجه للناس على أنه كتاب من تأليفه.. ظناً منه أنه يكسبه شهرة، ويظهره باحثاً علمياً، ومتفلسفاً ذي نظريات جديدة.. غير مدرك ما في آرائه أو في ثناياه من خطورة.. ولا يستغرب هذا لأنه لم يدرك أن إنكار القضاء الشرعي هو إنكار لوظيفته نفسها وعمله، وإلغاء لوجوده.. وكانت هذه هي البدعة السائدة في ذلك الوقت بين كتاب (السياسة) جريدة من أسموا أنفسهم (حزب الأحرار الدستوريين) .. وهذا هو الذي فهمه (أمين الرافعي) فكتب في جريدة الأخبار أنه لم يستغرب أن يقدم الشيخ علي عبد الرازق على إصدار هذا الكتاب.. لما عرف عنه من الضعف في تحصيل العلوم، والإلحاد في العقيدة.. ثم قال: هذا إلى أنه انغمر منذ سنين في بيئة ليس لها من أسباب الظهور سوى الافتئات على الدين، وتقمص أثواب الفلاسفة والملحدين، وصار خليقاً باسم (الأستاذ المحقق) والعلامة الكبير.
ولم يعرف الأستاذ الرافعي أن المؤلف الحقيقي ربما كان غير الشيخ عبد الرازق.. ولكن كلامه يكاد يكون إثباتاً لذلك.. وهناك قرائن أخرى:
أولاً: ذكر اسم كتاب مترجم عن التركية طبعة عام 1924.. بينما هناك فقرة تنص على أن تاريخ التأليف قبل عام 1918.. وأنها ذكرت اسم السلطان محمد الخامس.. وقيل في الهامش أنه كتب في عهده.. وأقرب تفسير لذلك أن الكتاب ليس من تأليف شخص واحد.
ثانياً: يتحدث المؤلف عن المسلمين كأنه أجنبي عنهم وهم منفصلون عنه.. فيذكرهم بضمير الغائب ولا يقول عندنا.. أو العرب.. أو نحو ذلك.. كما يقول المسلم عادة.
ثالثاً: يكرر الشيخ عبد الرازق عبارة: عيسى وقيصر (مرتين) .. ويكرر هذه الجملة التي يسميها الكلمة البالغة (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) مع أن أي مسلم صحيح الإسلام لا يمكن أن يؤمن بهذا التعبير.. وأن قيصر وما لقيصر لله رب العالمين.
رابعاً: يتعاطف مع المرتدين الذين خرجوا على الإسلام. وشنوا الحرب على المسلمين.. فيدافع عنهم.. في نفس الوقت الذي يحمل على رأي أبي بكر الصديق المسلم الأول بعد رسول ا صلى الله عليه وسلم فينكر خلافته.. ويقول إن محاربته لهؤلاء المرتدين لم تكن حرباً من أجل الدين.. ولكن نزاعاً في ملوكية ملك ولأنهم (رفضوا أن ينضموا لوحدة أبي بكر) وما هي وحدة أبي بكر يا عدو أبي بكر والإسلام.. أليست هي وحدة المسلمين..؟! ويقول (حكومة أبي بكر) أو ليست هي حكومة الإسلام والمسلمين..؟! ويتكلم عن أبي بكر هكذا بغير احترام أو تبجيل.. كأنه رجل عادي.. أو كما يتكلم عدو.
هل هذا هو أسلوب المسلم.. فضلاً عن الشيخ.. في الكلام عن الصحابة.. وعن أفضل الناس وأحبهم إلى رسول ا صلى الله عليه وسلم وخير من دافعوا عن الإسلام، وجاهدوا في سبيل الله عز وجل ؟!