والفكرة الأساسية التي يدور حولها كتابه: أن الخلافة نظام تعارف عليه المسلمون تاريخيًّا وليس في أصول الشريعة ما يلزم به. وقد تصدى لهذه الفكرة كتاب قبله أصدرته حكومة الكاملين، وهو كتاب (الخلافة وسلطة الأمة) ، فكتاب علي عبد الرازق لا يكاد المرء يظفر فيه بفكرة جديدة، ولكن الكتاب يمتاز بجمال الأسلوب أكثر من امتيازه بالتزام المنهج العلمي، وخطورته ترجع إلى الظروف التي أحاطت بظهوره، كما ترجع جرأته وعنفه في مصادمة عواطف الناس وفي تحدي مشاعرهم، وفي التشكيك الساخر أحيانًا فيما تطمئن إليه نفوسهم، دون أن يقدم الأدلة القوية الواضحة على ما يذهب إليه من مزاعم تخرج عن المألوف. ( [3] )
والكاتب يجيد (الروغان) حول الآيات والأحاديث، وهو أكثر مهارة في (الروغان) من آرائه التي يعلنها بنفسه حتى ولو خطتها يمينه. ومن أطرف ما يمكن أن يقرأ دفاعه عن نفسه عند محاكمته، ووصمه الناس بعدم فهم مقاصد كلامه ومعانيه، ثم ما نشره بعد ذلك في الصحف دفاعًا عن (دفاعه) ، عندما اتهم بالتردد والرجوع عن آرائه أمام المحكمة. ( [4] )
والنتيجة التي انتهى عليها علي عبد الرازق يلخصها في خاتمة الكتاب بهذه الكلمات: « إن الدين الإسلامي برئ من تلك الخلافة التي تعارفها المسلمون، وأنها ليست في شيء من الخطط الدينية.. كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صِرْفَة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة» . ( [5] )
ويناقش علي عبد الرازق ما يورد من أدلة على الخلافة من آيات القرآن، فيذهب إلى أن معناها أوسع وأعم من أن يقصد به الخلافة، وأما ما ورد من الأحاديث في شأن الإمامة والبيعة والجماعة وغيرها، فهي لا تصلح دليلاً لأولئك الذين يتخذون الخلافة عقيدة شرعية، وحكمًا من أحكام الدين؛ إذ هي لا تدل على أكثر مما يدل عليه ذكر المسيح لبعض الأحكام الشرعية عن حكومة قيصر. ثم يناقش دليل الإجماع من أن المسلمين منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا أجمعوا على وجوب نصب خليفة، فيورد أن الخلافة الإسلامية كانت منذ عهد أبي بكر الصديق إلى هذا اليوم عُرْضَة للخارجين عليها المنكرين لها، ولحركة المعارضة هذه تاريخ كبير جدير بالاعتبار، وأنها أحيانًا كانت تتخذ شكلاً قويًّا، مما جعل الخلافة لا ترتكز إلا على أساس القوة الرهيبة والبطش، فهل بعد هذا يمكن أن يدعي الإجماع عليها؟. ( [6] )
ثم يقول: «إن يكن الفقهاء أرادوا بالإمامة والخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومة كان صحيحًا ما يقولون من أن إقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية يتوقفان على الخلافة، بمعنى الحكومة في أي صورة كانت الحكومة ومن أي نوع؛ مطلقة أو مقيدة، فردية أو جمهورية، استبدادية أو دستورية، ديمقراطية أو اشتراكية أو بلشفية» . ( [7] )
ويؤكد علي عبد الرازق أن زعامة الرسو صلى الله عليه وسلم كانت زعامة دينية وولاية روحية، لا شأن لها بالحكم والسياسة، وأن صلى الله عليه وسلم لَمْ يَسْعَ إلى تأسيس دولة، وأن كثيرًا من أعمال الحكومات ووظائفها الأساسية لم يكن موجودًا في عهد صلى الله عليه وسلم ، وأن بعض ما يشبه أن يكون في السيرة النبوية من مظاهر الحكومة السياسية وآثار السلطة، كان فقط وسيلة لجأ إليها صلى الله عليه وسلم تأييدًا للدعوة وتثبيتًا للدين. ( [8] )
ثم يدرس الشيخ علي الخلافة والحكومة في التاريخ الإسلامي؛ ليقرر أن الإسلام نظام ديني لا صلة له بأنظمة السياسة، وأن ما تعارف عليه المسلمون من نظام للحكم فهو مسألة تاريخية لا دخل للدين بها، وأن دولة العرب قامت من قبلها دول وقامت من بعدها دول، ولهذا لا شيء في الدين يمنع المسلمين من أن يهدموا نظام الخلافة، ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له واستكانوا، وصوَّر لهم الخطأ والوهم أنه من الدين، وأن يبنوا نظام حكومتهم على ضوء تجارب الأمم الأخرى، وما أنتجته العقول البشرية في علوم الاجتماع والسياسة». ( [9] )
والذي يرمي إليه علي عبد الرازق هو أن يأخذ المسلمون نظم الغرب السياسية ويؤسسوا حكمهم عليها، ولكن أخطر ما في الأمر والذي أثار الضجة العالية عن الكتاب هو أنه لم يَدْعُ إلى ذلك بالصراحة التي ينادي بها دعاة التغريب والعلمانيون، وإنما قدم دعوته في قالب الإسلام، وغلفها بغلاف الشرع، واحتج عليها بحجج دينية، وتلك هي العصرانية في صورة مِنْ أوضح صورها، وبوجه مِنْ أكثر وجوهها سفورًا وبروزًا.
( المرجع: مفهوم تجديد الدين ، بسطامي محمد سعيد ، ص 147-150) .
( [1] ) انظر (الفكر الإسلامي وصلته بالاستعمار الغربي) , محمد البهي، ص 265.
( [2] ) (الإسلام والتجديد في مصر) ، تشالز آدمز، ترجمة عباس محمود، ص 252.
( [3] ) (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر) ، محمد محمد حسين، ج2 ص 86.
( [4] ) راجع النصوص الكاملة للمحاكمة ودفاعه في الدراسة التي قدَّم بها محمد عمارة لكتابه (الإسلام وأصول الحكم) .
( [5] ) (الإسلام وأصول الحكم) ، ص 182.
( [6] ) المصدر نفسه، ص 121 - 134.
( [7] ) المصدر نفسه، ص 135.
( [8] ) المصدر نفسه، ص 139- 167.
( [9] ) المصدر نفسه، ص 174-182.