جميعُنا يفرحُ بتركِ الغلوِّ والعنفِ ، ويسعدُ بذلكَ سعادةً كبيرةً ، ولكن ليسَ إلى غلوٍّ جديدٍ ، غلوٍّ في فكرٍ يرى أنَّ النظامَ الإسلاميَّ في الحكمِ هو استبدادٌ وتسلّطٌ ، فكرٍ يرى أنَّ المناهجَ والدعوةَ السلفيّةَ هي من أسّسَ للإرهابِ ودعا إليهِ ، فكرٍ زائغٍ ساقطٍ .
نحنُ أمامَ ظاهرةٍ شاذةٍ عن مجتمعنا ، دخيلةٍ على تُراثِنا ، وساقطةٍ فكريّاً وعلميّاً ، ومليئةٍ بالغرائبِ والأعاجيبِ تسمى"عبد الله بن بجاد العتيبي". لابدَّ لنا من تحليلِ هذه الظاهرةِ المُتمرّدةِ على القيَمِ والأصولِ الجذريّةِ ، خاصةً في ظلِّ هذه المتغيراتِ التي نواجُهها في بلادنا .
إذْ كيفَ يتحوّلُ الإنسانُ من مفجّرٍ مهووسٍ بالدمارِ وساعٍ إليهِ ، ومكفرٍ يُكفّرُ بالجملةَ دونَ تبيّنٍ أو تثبّتٍ أو تفصيلٍ ، إلى مُنتكسٍ ناكصٍ على عقبهِ ، ومهاجمٍ شرسٍ على كلِّ ما يمتُّ لفكرهِ السابقِ بصلةٍ ووشيجةٍ .
ومن المعلومِ والمُتقرّرِ لدى أهلِ العلمِ والمعرفةِ من أصحابِ القصدِ والتوسّطِ: أنَّ مناطَ الكفرِ قد يتحقّقُ في الشخصِ المعيّنِ بعدَ لأيٍّ ، إذا استجمعتْ فيهِ الشروطُ ، وانتفتْ عنهُ الموانعُ ، وخرجَ من الدينِ بيقينٍ كما دخلهُ بيقينٍ ، ولكنْ كيفَ يُمكنُ تحقيقُ مناطِ الكفرِ في أفرادِ جماعةٍ كبيرةٍ ، تختلفُ نيّاتُهم ومقاصدهم ، ولا يُمكنُ ضبطُ أحوالِهم ، ولا النظرُ في طرائقهم ، ويعتريهم - أفراداً - من عوارضِ الأهليّةِ ما يعتريهم ، ومثلُ هذا يعسرُ ضبطهُ جدّاً ، وإطلاقُ القولُ فيهِ هو من المجازفةِ والتهوّرِ في أصلِ المسألةِ ، فضلاً عن تعميمِ التكفيرِ على الجميعِ ! .
هل الأمرُ يقتصرُ على كونها مُراجعةً فكريّةً سطحيّةً ، وتغييراً لقناعاتٍ سابقةٍ - كما يزعم - ؟ ، أم هو هوسٌ بالتنقّلِ والتخبّطِ المنهجيِّ ، وشذوذٌ فكريٌّ ، وانحسارٌ لمدِّ العقلِ المُرشدِ الهادي ؟ .
هل هذهِ آخرُ محطّةٍ فكريّةٍ وسلوكيّةٍ في حياةِ هذا الرّجلِ ؟ ، أمْ أنّها مرحلةٌ يلهو فيها ويعبثُ ، ثمَّ إذا ما ملَّ منها وسئِمَ ، تحوّلَ إلى مدرسةٍ أخرى ، أو رجعَ إلى التفجيرِ والتكفيرِ ؟ .
أم هو باحثٌ لاهثٌ عن ذاتِهِ الذائبةِ في حمأةِ التحوّلاتِ المُريبةِ لهُ ولشلّةِ الأنسِ من رفاقهِ ؟ ، خاصّةً بعدَ أن لفظهمُ المُجتمعُ كلّهُ ، وعرفوا حقيقتَهم وحقيقةَ فكرهم ، وأصبحوا يعيشونَ عُزلةً كبيرةً فُرضتْ عليهم قسراً ، وتجافاهم النّاسُ وأعرضوا عنهم ، ولم تنفعهم جميعُ محاولاتِ التلميعِ والتزويقِ التي أضفوها على أفكارِهم ومناهجهم .
قمتُ مُنقّباً عن أخبارِ هذه التحفةِ العصريّةِ ، والعقليّةِ الحجريّةِ الفذّةِ في البلادةِ ، كأني أنقبُ عن أحفورةٍ من الأحافيرِ المنقرضةِ ، أو بقيّةٍ من بقايا الهياكلِ التي قضتْ نحبَها في الزمنِ الغابرِ السحيقِ .
عبدُ اللهِ بنُ بجادٍ العُتيبيُّ ، وقصّةُ البحثِ عن الذاتِ ، من حيِّ شُبرا في الرياضِ ، إلى الأضواءِ والفلاشاتِ والمانشتاتِ العريضةِ في وسائلِ الإعلامِ ، هاكم الحقيقةَ دونَ أي رتوشٍ ، أقدّمها للجميعِ حتّى نستخلصَ منها العبرَ والفائدةَ ، ونعرفَ كيفَ ينشأ الغلوُّ وكيفَ يتكاثرُ ويتوالدُ ، وما هي البيئةُ الخصبةُ التي تغذّيهِ وترفدهُ .
ولدَ ابنُ بجادٍ عامَ 1394هـ تقريباً ، ونشأ في حي شبرا ، وكانَ كغيرهِ من الشبابِ لا يميّزهُ أمرٌ ، إلا شيئاً من قرضِ الشعرِ العاميِّ ، والذي كان يطربُ له بعضُ جُلسائهِ .
في عام 149هـ حدثَ أولُ تغيّرٍ في حياةِ ابنِ بجادٍ ، حيثُ بدأ مشوارَ الالتحاقِ بالإسلاميين - كما يسميهم - وبالتحديد بالإخوانِ - إخوان من طاع الله - ، وكانت بدايتهُ عن طريق محاضرةٍ للدكتورِ: عايضٍ القرني - وفّقهُ اللهُ - . التحقَ ابنُ بجادٍ بالإخوانِ ، فكان يحرّمُ أشياءَ كثيرةً مما أحلها اللهُ - كما هي طريقةُ الإخوانِ أصلحهم اللهُ - ، شديداً على نفسهِ وغالياً في تطبيقاتهِ وفهمهِ للدّينِ ، وكان يبحثُ عن الفتاوى التي فيها شدّةٌ على نفسهِ وعلى المخالفِ"ولن يُشادَّ الدّينَ أحدٌ إلا غلبهُ".
وهذا نوعٌ من الحيَلِ النفسيّةِ التي لا علاقةَ لها بالشرعِ والتديّنِ ، أنْ يقصدَ الشابُّ إلى التشديدِ والتقتيرِ ، إظهاراً للتميّزِ والحدّةِ ، ومُحاولةً لصُنعِ هالةٍ من الإعجابِ والافتتانِ بهِ أو بسلوكهِ ومنظرهِ ، ويا للهِ كم هي تلكَ السلوكيّاتُ التي نعتدُّ بها ديناً وشرعاً ، وهما منهُ بريئانِ تماماً ، وكم شدّدنا وضيّقنا والأمرُ ليسَ على ما نصبو أو نرومُ ، بل على نقيضهِ من السماحةِ واليُسرِ والسهولةِ . خرجَ ابنُ بجادٍ من بيتِ والدهِ وابتعد عنهُ ، وربّما قادهُ ذلكَ إلى اللامُبالاةِ بوالدهِ أو بيتهِ ، فقد خطَّ لنفسهِ طريقاً محفوفاً بالعنتِ والشططِ ، وحاول الأبُ إرجاعَ ابنه إلى دارهِ وإلى جادّةِ الصوابِ فلم يفلحْ .