فهرس الكتاب

الصفحة 20701 من 27364

فرِحَ كثيراً بلقاءِ رفيقهِ في التشدّدِ والانتكاسةِ مشاري الذايديِّ ، حيثُ جمعهما حبُّ الشعرِ وإنشادهُ ، وكان ذلك في عام 1411هـ ، وصارتْ بينهما علاقةٌ حميمةٌ جداً ، يصفُها ابنُ بجادٍ بقولهِ - وهو يتحدث عن رحلةٍ من رحلاتهما -:"ولكنَّ تلك الرحلةَ تركتْ لدى كلينا ارتياحاً عميقاً لصاحبهِ ، لم تستطعْ عوادي الأيامِ فيما بعدُ أن تفصمَ عراهُ أو تنالَ من عمقهِ".

وقد صدقَ ابنُ بجادٍ في هذا ، فقد ترافقا شدّةً وليناً ، تديّناً ونكوصاً ، تطرّفاً وتمييعاً ، كأنّما خُلقا من تربةٍ واحدةٍ ، أو جمعهما رحمٌ واحدٌ ، وكأنَّ أرواحهم تلاقتْ في عالمِ الغيبِ وأقسمتْ على النصرةِ حقّاً أو باطلاً ، ولم يحنثْ لهما يمينٌ ، أو ينقضْ لهما عهدٌ ، بل مضوا على ذلكَ ابتداءً وانتهاءً ، ولا حولَ ولا قوّةَ إلا باللهِ .

كانَ الذايديُّ قد امتازَ على صاحبهِ ابنِ بجادٍ بحبّهِ للشعرِ الفصيحِ وقرضهِ ، وحاولُ ابنُ بجادٍ أن يقلّدَ صاحبهُ ويُجاريهِ في ذلكَ ، فقامَ بعدّةٍ زياراتٍ إلى الشاعرِ الكبيرِ: يوسف مُحي الدّينِ أبو هلالةٍ - أسعدَ اللهُ أيّامهُ - لعلّهُ أن يُفيدَ منهَ .

وفي تلكَ الحِقبةِ أيضاً كان مشاري الذايديِّ تناوبَ مع إبليسَ على الوسوسةِ والإغراءِ لابنِ بجادٍ بتركِ الدراسةِ ، فتركَها وهو في الثاني الثانوي التجاريِّ لأنها حرامٌ ، كما هي طريقةٌ الإخوانِ - أصلحهم اللهُ - في تحريمِ الدراسةِ ، ولهم في ذلكَ مُصنّفاتٌ مشهورةٌ ، منها شيءٌ كتبهُ جُهميانُ العتيبيُّ في رسالةٍ لهُ معروفةٌ . وممّا يؤكّدُ أثرَ فكرِ الإخوانِ على ابنِ بجادٍ ، أنّهُ كانتْ لهُ زياراتٌ مُتكرّرةٌ لهجرةِ البلازيةِ وهجرةِ المحيلاني ، حيثُ كان يجدُ نفسهُ هناكَ ، ويشمُّ رائحةَ الإيمانِ ، كما يذكرُ ذلك عن نفسهِ .

وفي المحيلاني- تحديداً - كانَ يتردّدُ على شخصٍ يُقالُ لهُ: أبو عيسى الحربيِّ ، وهو أحدُ كِبارِ الأشخاصِ في الإخوانِ قدراً وأثراً ، تقريباً كان والدَهم ، بلغ من العمر السبعين ونيّفاً ، وهو ينتظرُ متى ينصر الله الإخوانَ على أهل الباطلِ ، ومتى يُعزُّ اللهُ الدينَ ، وكان حنوناً وعطوفاً على ابنِ بجادٍ وأصحابهِ .

تردّدَ ابنُ بجادٍ أيضاً على شيخٍ قد تجاوزَ المئةَ من عُمرهِ ، وهو: شاهرُ بنُ هدباءَ المطيريُّ ، وكان شاهرٌ من رجالِ الملك عبد العزيزِ - رحمهُ اللهُ - ، ولكنّهُ تركهُ بعد معركة"السبلة"المشهورةِ بينَ الملكِ عبدِ العزيزِ وبينَ الإخوانِ ، وكان ابنُ بجادٍ من المعظّمين لشاهرٍ ، ويُكثرُ من زيارتهِ ، وكانا يرددانِ نفسَ الكلامِ ويحملانِ نفسَ الأفكارِ ، وتتلاقحُ هناكَ المناهجُ المُتشدّدةُ .

وكان ابنُ بجادٍ يردّدُ قصةً: أنَّ أحدَ الإخوانِ كان كلَّما مرَّ بديكٍ صاحَ ، وذاتَ مرةٍ مرَّ ذلكَ الرجلُ بالديكِ ، ولكنَّ الدّيكَ لم يصِحْ ! ، فعلِمَ أنّهُ وقعَ في معصيةٍ ، فحاولَ التذكّرَ فبحثَ في جيبه فوجدَ ريالاً ، والريالُ عليه صورةٌ ، فعلِمَ أنَّ الملائكةَ لم ترافقهُ ذلك اليومَ لأنّهُ يحملُ صورةً !.

في تلكَ الأيّامِ كانَ ابنُ بجادٍ سريعاً في مسائلِ التكفيرِ ، بل لمّا ناصحهُ أحدُ إخوانهِ في ذلكَ ، ردَّ عليهِ ابنُ بجادٍ قائلاً: أنا ختمي في التكفيرِ بحجمِ كفرِ السيارةِ ! .

هكذا قالَ ، وقد صغّرهُ جداً ، بل إنَّ حجمَ ختمهِ بحجمِ كفرِ الطائرةِ ، بل هو أكبرُ من ذلكَ ، فقد كانَ سريعَ الطيشِ والنزِقِ ، لا يُبالي بما يرميهِ جُزافاً من الأحكامِ والطّعنِ في دينِ النّاسِ .

وأضافَ إلى فكرهِ التالفِ السابقِ أمراً آخرَ لا يقلُّ نكارةً وسوءاً ، ألا وهو تأييدهُ المُطلقُ التامُّ لجهيمانَ العُتيبيِّ ولفكرهِ ، وكانَ يوزعُ كتبهُ بينَ الناسِ ، والويلُ والثبورُ لمن قلّلَ أو انتقصَ من أهميةِ وشرعيّةِ جهادهِ في الحرمِ ! ، فهو يعدّهُ مُجاهداً في سبيلِ اللهِ ، وأنَّ ما قامَ بهِ قتالٌ في سبيلِ اللهِ تعالى .

بلْ إنّهُ يؤمنُ بأشياءَ غريبةٍ جداً ، ومُضحكةٍ في نفسِ الوقتِ ، فقد كان يُردّدُ أنَّ محمدَ بنِ عبدِ الله القحطانيَّ هو المهديُّ الحقُّ ! ، وقد هربَ عبرَ المجاري إلى خارجِ الحرمِ ومنها إلى اليمنِ ، وهو في الجبالِ ومعهُ رشّاشٌ ليدفعَ عن نفسهِ من تلك السنينِ الغابرةِ ، وفي إحدى المرّاتِ قالَ: إنّهُ رُفعَ إلى السماءِ ! .

وقد ذكرَ ابنُ تيميّةَ - رحمهُ اللهُ - أنّهُ ما من شخصٍ خرجَ وادّعى المهديّةَ ، إلا ووقعَ بسببِ ذلكَ شرٌّ عظيمٌ ، أعظمُ من الخيرِ المرجوِّ بذلكَ ، ومن يتتبّعْ التأريخَ المُتصلَ لحركاتِ المهديّةِ والأشخاصِ الذين يدّعونها ، يرى أمراً عظيماً في الفتنةِ والشرِّ ، بل إنَّ التفرّغَ لظهورِ المهديِّ ، والبحثِ عنهُ مُخلّصاً هو لوثةٌ رافضيّةٌ ، سرتْ إلى أذهانِ بعضِ الشبابِ - هداهمُ اللهُ - ، سبّبها لهم رؤيةُ الظلمِ وضعفِ الإسلامِ ، وأُصيبوا بوهنٍ وخوَرٍ في نفوسِهم ، آثروا حينها الانكفاءَ على الذاتِ ، والتعلّلَ بانتظارِ المهديِّ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت