فهرس الكتاب

الصفحة 20702 من 27364

وقد اختارَ ابنُ بجادٍ أن يُساكنَ مجموعةً من أصحابهِ ، يحملونَ أفكارهُ ويعتنقونها ، فوقعَ رأيهُ على مجموعةٍ تركتِ الدراسةَ تحريماً لها ، وذلكَ لأنَّ فيها مناهجَ تدعو إلى الكفرِ ، وتديّنَ هو ورفاقهُ بهجرِ من لم يوافقهم على تلكَ المسألةِ ، والهجرُ في عرفهم وعُرفِ من سلكَ طريقَهم أمرٌ حتميٌّ لازمٌ للمُخالفِ ، يبدأون بالإنكارِ أوّلاً ، فإن لم يستجبْ لهم الشخصُ هجروهُ وتركوهُ وجوباً . كان يردّدُ مع صحبهِ دوماً: نحنُ أهلُ الحديثِ فقط ! .

إنَّ من يرى ابنَ بجادٍ في تلك الفترةِ الغابرةِ من حياتهِ ، وقد طال شعره و تركهُ بلا عناية مُتهدّلاً بينَ كتفيهِ ومن وراءِ شماغهِ ، يظنّهُ أحدَ القدماءِ الإسكندنافيين أصحابِ ابنِ فضلان ، أو من بقايا أصحابِ الكهفِ .

كانتِ المظاهرُ عندهم هي الدّينُ كلّهُ ، فلا بطاقاتٍ شخصيّةً معهم ، وشعورُهم طويلةٌ ، وأبشارُهم غيّرتها الشمسُ ، ولم يكونوا يعتنونَ بمظهرهم أبداً ، إذا رأيتهم رأيتَ شُعثاً غُبراً ، لم يرموا عصا الترحالِ عن عواتِقهم .

ولم يقفْ هجومُهم على الدراسةِ والمناهجِ فقط ، بل ازدادَ واتسعَ حتّى وصلَ إلى مرافقِ الدولةِ الأخرى ، بما فيها الهيئةُ ! ، فقد كانوا يرونَ الهيئةَ غطاءً من الدولةِ تُغطّي بها كُفرَها وردّتها كما يزعمونَ ، ولتثبتَ للنّاسِ أنّها دولةٌ إسلاميّةٍ ، وإذا وجدوا فُرصةً أو مناسبةً تجمعهم بأحدِ من يعملُ بالهيئةِ ، فإنّهم يُهاجمونهُ هجوماً عنيفاً ، ويأمرونهُ بتركِ العملِ فيها .

حاولَ بعضُ الرّفاقِ إدخالَ عناصرَ علميةٍ جديدةٍ ، في المسكنِ الذي يؤويهم ، وذلكَ عن طريقِ بعضِ المشايخِ ، لتدريسِ جملةٍ من العلومِ الشرعيةِ ، فوقعَ الاختيارُ على الشيخِ: محمد الددو - وفّقهُ اللهُ - وآخرين ، فغضب القسم الأكثرُ تشدداً من هؤلاءِ ، فهجروا الشقّةَ إلى الدرعيةِ ، وكان على رأسهم محمّدٌ الـ .... ( أبو حاتمٍ ) والذي لم يصبرْ طويلاً ، فقد ترك التديّنَ فيما بعدُ ، كما تركه ابن بجادٍ وغيرهُ من الرّفاقِ .

قامَ ابنُ بجادٍ بزيارةٍ للشيخِ: سفرٍ الحوالي - منَّ اللهُ عليهِ بالعافيةِ ومتّعهُ بالصحّةِ - في منزله بمكة - زادها اللهُ شرفاً - وسمعَ منهُ الشيخُ بعضَ أفكارهِ الشاذةِ فوبخهُ عليها ، ممّا حدا ابنَ بجادٍ إلى مقتِ الشيخِ وكُرههِ ، وبقيَ أثرُ ذلكَ في نفسهِ حتّى اللحظةَ . وأتذكّرُ هنا قصّةً طريفةً ذكرَها شيخُنا: سفرٌ الحواليُّ ، أنَّ مجموعةً من الشبابِ زارهُ في بيتهِ في مكّةَ - حرسَها اللهُ - وذكروا لهُ أنَّ المهديَّ معهم ! ، فذكّرهم الشيخُ باللهِ ، وأعلمهم خطأ طريقِهم وضلالَ نهجهم ، فخرجوا من عندهِ وهم يضمرونَ لهُ الكراهيةَ والمُنابذةَ ، قالَ الشيخُ: فلمّا سُجنتُ في الحائرِ ، علمتُ أنّهم جميعاً ألقيَ القبضُ عليهم بسببِ أفكارِهم المنحرفةِ ، وأودعوا في السجنِ ، فقلتُ في نفسي: لقد كانوا في سعةٍ وعافيةٍ من البلاءِ ! .

فكّرَ ابنُ بجادٍ لاحقاً باعتزالِ الناسِ ، فخرجَ إلى شقةٍ في منطقةٍ نائيةٍ ، مع أربعةٍ من أصحابهِ ، ولم يستطعِ الصمودَ هناكَ ، فرجعَ للرياضِ مرّةً أخرى .

وحصلَ التغيّرُ الثاني والمنعطفُ الخطيرُ في فكرِ ابنِ بجادٍ ، فقد قرّرتْ المجموعةُ التي معهُ أن تلجَ في تجربةِ التفجيرِ ! ، وكانُ ابنُ بجادٍ على علمٍ بما يخطّطونَ لهُ وربّما شاركهم في ذلكَ ودعمهم معنوياً وجسدياً ، وكانتْ تداعبُهم فكرةُ تصفيةِ بعضِ المنافقيَن - حسبَ قولهم - .

وهذا يؤكّدُ أمراً ذكرتهُ سابقاً ، ألا وهو أنَّ الغلوَ يتسلسلُ عبرَ مُقدّماتٍ فكريّةٍ مغلوطةٍ ، يخلصُ منها إلى نتيجةٍ حتميّةٍ ، ألا وهي الإلغاءُ للمخالفِ إمّا عبرَ التكفيرِ أو التفجيرِ أو التصفيةِ ، وجميعُ هذا ليسَ من الدّينِ في شيءٍ ، والفكرةُ الصحيحةُ تثبتُ على قدمِ البيّنةِ والبُرهانِ ، لا على طريقةِ المدفعِ والرشّاشِ ، والمدفعُ والرشّاشُ حامٍ للشريعةِ ، لا هادمٌ لها ومُنفّرٌ للنّاسِ عنها .

سافرَ ابنُ بجادٍ إلى اليمنِ تهريباً عبرَ الحدودِ ، زاعماً فيما يُظهرُ للنّاسِ أنه يريد الدراسةَ على الشيخِ: مقبلٍ الوادعيِّ - رحمه الله - ، ولم يُطِلِ الدراسةَ أو المكثَ هناكَ ، بل رجعَ سريعاً ، فلم يكُنْ ممن يصبرُ على طلبِ العلم ، أو يُجالدُ على ثني الركبِ عندَ أهلِ العلمِ .

ومن مضحكاتِ أمرهِ تلكَ الأيّام أنّهُ كان يحملُ عدسةً مكبّرةً يصحبُها في كلِّ كانٍ جذلاً بها كلِفاً ، فإذا سُئلَ عنها قالَ: منِ أجلِ قراءةِ المخطوطاتِ ! .

وانكشفتْ هناكَ الحقيقةُ القاصمةُ .

فلم يكنِ الأمرُ علماً أو دراسةً ، وإنّما تمويلاً لعمليّةٍ مسلّحةٍ داخلَ البلادِ ، هرّبوا أسلحتها من اليمنِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت