فهرس الكتاب

الصفحة 20729 من 27364

في البداية ينبه علي حرب، ويكرر ذل مرارًا بأنه لا يمارس النقد بصورته التقليدية، فنقده (لا يقوم على نقد المذاهب والمدارس والأدلوجات على أساس التفريق بين الصحيح والفاسد، أو بين الصادق والكاذب، أو بين العلمي والخرافي) (4) وإن كان أحيانًا يذكر أهمية مثل هذا النقد، ولكنه لا يمثل أهمية كبيرة تعادل نقده الجديد، بل ويصب نقده اللاذع لمثل هؤلاء النقاد.

وهذه عادتهم جميعًا ، فلا بد من البدء بإلغاء الآخرين، وإلغاء المنهجيات الأخرى والتصورات الأخرى التي تخالفه، ثم يأتي وكأنه المنقذ وصاحب المنهج السليم.

يقول عن نقده بأنه يمثل (النقد الحديث كما مورس ابتداءً من كنط وكما تطور واغتنى بعده وبخاصة لدى المعاصرين بدءًا من نيتشة وانتهاءً بآخر المدارس النقدية) (5) .

(1) … علي حرب، النص والحقيقة، نقد النص ص 7، ط1 المركز الثقافي العربي، بيروت والدار البيضاء 1993م.

(2) … المرجع السابق ص 8.

(3) … علي حرب. أسئلة الحقيقة ورهانات الفكر ص 33، ط1، دار الطليعة ، بيروت ، 1994م.

(4) … علي حرب . النص والحقيقة . نقد النص ص 201.

(5) … المرجع السابق ص 201.

وتتمثل شخصيات النقد التفكيكي في نيتشه وهيدغر وميشال فوكو وأخيراً جاك دريدا (الذي تبنى المصطلح وبرع في استثمار التفكيك حتى اشتهر به) ويأتي أحيانًا معهم جيل دولوز (1) إضافة إلى الذين ساهموا في تشكيل التيار البنيوي فقد مارسوا هذا النمط من التفكير أمثال ألتوسير ولا كان وليفي شتراوس وبارت (2) ، أما فوكو ودريدا وجيل دولوز وألتوسير ولا كان وليفي وبارت فهم من المتأخرين في الثقافة الأوروبية، وأغلبهم يعيشون في مكان واحد، وبيئة واحدة، في فرنسا، ولهم تأثر كبير بالعلوم الاجتماعية الحديثة إضافة إلى علم اللغة الحديث الذي افتتحه دوسوسير، وكذلك يجمع بينهم إلغاء الإنسان أو إعلان موته، أو موت المؤلف، وذلك بعد أن أعلن نيتشه موت الله، وفي المقابل نجدهم يعلون من شأن بعض الأنظمة الفكرية واللغوية بصورة يجعلونها متحكمة في مصير البشر والفكر والمعرفة والتصورات إلى حد جعلها أشبه بالخالق المدبر لهذا الكون والمتصرف فيه.

ننتقل من النقاد إلى بعض الملامح العامة حول النقد عنده، ونرى تصوره للنقد، فالنقد عبارة عن (بحث في قبليات المعرفة وشروط إمكان الفكر… يرمي إلى البحث في المؤسسات والأبنية والممارسات التي تتيح للخطابات أن تتشكل وتنتشر …. باختصار إن النقد بالمعنى الحديث بل الأحدث، هو قراءة في النصوص والتجارب لسير إمكاناتها واستنطاقها عن مجهولاتها. وهذا هو النقد بالمعنى الأنطولوجي للكلمة… يستقصي المجهول والمغيب والمستبعد…) (3) وبهذا يتخطى النقد (نقد الفرق والمذاهب إلى نقد أصول المعرفة الإسلامية. نتخطى نقد التفاسير والشروحات إلى نقد الوحي نفسه، وذلك بالتعامل معه كمعطى يخضع للمعرفة النقدية وشروطها..) (4) والفضل في افتتاح هذا النقد يعود إلى محمد أركون (5) .

وعلي حرب يرى أن هذه القراءة النقدية (تستثمر إمكانات النص وتعيد إنتاجه، فتحوله من معرفة جامدة إلى معرفة حية، بالتعامل معه كرأسمال ثقافي يمكن تحويله وصرفه) (6) هنا يتضح مدى التحول في معنى النقد الذي يتبناه علي حرب، وإن كان في حقيقته وجوهره يعود إلى المعنى المباشر من النقد. وهكذا يصبح (نقد النص) عبارة عن تلاعب في النص، وفيه تتم إسقاطات متنوعة من قبل الناقد على النص، وهذه الإسقاطات تشوه النص، وتخرجه عن مقصده، وهكذا فكل إنسان، وكل فئة، وكل مجتمع، هو الذي يُنزّل على النص ما يريده هو لا ما يريده النص، مع أننا نجد أن تركيزه منصب على كشف المستور والمخفي، وبهذا ينحصر النقد في جهة واحدة، وبهذا يصبح نشاطه محصورًا وضيقًا وهو يخالف زعمه عن القراءة المنفتحة، أو القراءة الحية كما يسميها، فقراءة القرآن الحية كما يقول: (تعنى بالبحث عن القَبْلي والمحتمل، وتهتم بالكشف عن المجهول والمغيَّب والمسكوت عنه… تبحث في النص عن البداهات المحتجبة أو عن القبليات المنسية أو عن البنيات المترسبة أو عن الآليات المستخدمة) (7) .

وإذا كان النشاط النقدي عبارة عن إسقاطات، وعبارة عن معانٍ في أذهان هؤلاء ينزلونها على النصوص، ويحملونها ما لا تحتمله، فإن الباب لن يغلق أمام التلاعبات المتواصلة من قبلهم، كيف والنص عبارة عن رأسمال، يمكن صرفه في أي وقت، وبأي طريقة، وهذه هي حقيقة النقد التفكيكي، إنه نقد قائم على انعدام الحقيقة، وخاصة الحقائق النبوية، وبهذا فلا بأس بأن نقول في النص ما نشاء، وأن نقرأه كيفما نشاء، فهو نص رمزي، وعملة يمكن صرفها.

يضع علي حرب بعض القواعد حول نقد النص، ومن المناسب التوقف مع بعض ما فيها، لأنها حوت كثيرًا من الأصول التي تحرك الاتجاهات الفلسفية الأخيرة، ومن هذه القواعد:

أولاً: (النصوص سواء) فالاختلاف هنا لا يهمّ، والفرق هنا لا يهمّ، سواءً كان من حيث المضامين والمحتويات، أو من حيث الموضوعات والطروحات، إنما الذي يهم كيفية انبناء الخطاب وطريقة تشكله وآلية اشتغاله.

هنا يمكن الجمع بين النص الفلسفي والنص النبوي، إذ كلاهما يشكل نصًا لغويًا (8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت