وهو بهذه الصورة يستطيع التعامل مع النص النبوي كأي نص دون أي ميزة له، فيسقط عليه منهجياته ونقده، دون أي مشكلة أو تحرز، فكلام الله لأنه نص مثل كلام إبليس أو فرعون أو أي متكلم مخلوق لأنها كذلك نصوص !!
ولكن هل المنهج العلمي يتعامل مع الأسماء المشتركة على ما تحويه من معاني مختلفة على أنها شيء واحد؟ وهل العقل يقول بهذا؟ إن الجواب واضح.
(1) … انظر علي حرب. النص والحقيقة . الممنوع والممتنع، نقد الذات المفكرة ص 23، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، 1995م.
(2) … انظر المرجع السابق ص 24.
(3) … النص والحقيقة. نقد النص ص 202.
(4) … النص والحقيقة. نقد النص ص 202.
(5) … انظر المرجع السابق ص 203.
(6) … المرجع السابق ص 204.
(7) … المرجع السابق ص 204.
(8) … انظر المرجع السابق ص 11 - 12.
ثانيًا: (كينونة النص) حيث يصبح النص مستقلاً، ويُنظر إليه من دون إحالته لا إلى مؤلفه، ولا إلى الواقع الخارجي. ففي منطق النقد يستقل النص عن المؤلف كما يستقل عن المرجع (1) ، وهذا"الفصل"يطغى على الفكر البنيوي والألسني والفلسفي المعاصر. وإذا كنا نستطيع فصل النص عن قائله إلا أن دراسته وفهمه ستبقى ناقصة، وهذا في النصوص البشرية. أما كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسول صلى الله عليه وسلم ، فإن فصله عن المتكلم به معناه الابتعاد عن مراد الله سبحانه الذي أوضحه لنا رسول ا صلى الله عليه وسلم أتم توضيح وبينه أفضل بيان، وبالتالي تُنزل الأهواء الشخصية والمرادات الفردية والرغبات الخاصة على هذه النصوص، وبهذا يصبح النص حتى على دعواه غير مستقل، وانفصاله لم يتم، فهو إن فصله عن المتكلم به، فقد جعل نفسه وكأنه المتكلم به، لأنه الوحيد الذي كشف حقيقته وعرف مراده المخفي والمعلن.
ثالثًا: لا يوجد حقيقة جوهرية للنص، وإذا لم تكن هناك حقيقة جوهرية وثابتة فلا مجال عندئذٍ للحديث عن الخطأ والصواب.. فالتخطئة أو التصويب يصحان إذا كنا نتعامل مع النص بوصفه يعكس أو يتطابق مع حقيقة ذهنية أو خارجية قائمة بمعزل عنه، وكمثال (فالنص النبوي، مثلاً، لا تكمن أهميته في كونه يروي الحقيقة ويتطابق معها. بل تكمن بالدرجة الأولى في حقيقته هو، أي في رؤيته للوجود وفي آلية إنتاجه للمعنى وفي كيفية تعامله مع الحقيقة أو في طريقته في الكلام على الأشياء) (2) .
إذًا فالنص هو الذي يصنع الحقائق، لا أن هناك حقائق ثابتة يتحدث عنها النص أو يصفها، وعندما لا تكون هناك حقائق فالباب مفتوح أمام القارئ ليتخيل ما شاء من مضامين لهذه النصوص، وعلى هذا يكون فعل الرسو صلى الله عليه وسلم مع صحابته إنما هو من باب الغشّ لهم، فهو قد أخبرهم بهذه النصوص بما فيها من حقائق، واعتقدوها وصدقوا بها، وفي القرن العشرين تمّ الاكتشاف الحديث بأن هذه النصوص لا تدلّ على حقائق ثابتة كما يقول النقاد من طه حسين إلى علي حرب على خلاف بينهم في مستوى الإنكار!!
تأتي بعد ذلك أربع قواعد متقاربة، ففي"استراجية النص"يرى أنه (لا ينبغي التعامل مع النصوص بما تقوله وتنص عليه أو بما تعلنه وتصرح به، بل بما تسكت عنه ولا تقوله، بما تخفيه وتستبعده…) (3) ، وأما سبب سكوت النص فهو يرى أن (النص يسكت ليس لأن مؤلفه ضنين بالحقيقة على غير أهلها ولا بسبب تقية من سلطة يخشاها ولا لغرض تربوي تعليمي يرمي إليه، كما ذهب بعض مفسري القرآن، بل لأن النص لا ينص بطبيعته على المراد، ولأن الدال لا يدل مباشرة على المدلول… ومن هنا يتصف النص بالخداع والمخاتلة ويمارس آلياته في الحجب والمحو أو في الكبت والاستبعاد…) (4) ، وبهذا تتحول النصوص مع علي حرب إلى ألغاز وأسرار وخفايا، وبهذا لا يكون التعامل معه حسب ظاهرة، بل حسب ما يخفيه والذي لا يعرفه إلا أمثال علي حرب ! وعلى هذا فإن الله سبحانه وتعالى قد خاطب عباده بكلام لا تظهر فيه الحقيقة، بل هي مختفية، وهذه طبيعة في أي نص، بل هناك ما هو أكثر من ذلك توضحه القاعدة الخامسة (النص يمارس حجبًا مضاعفًا إذ هو يحجب ذاته كما يحجب ما يتكلم عليه) (5) ، وبهذا يتحول النص إلى كلمات مغلقة، ومعاني مستعجمة، لا يمكن معرفتها والوصول إليها إلا بشق الأنفس، ويصبح النص محفوفًا بالمخاطر، والاعتماد على ظاهره خطأ فادح، والطمأنينة إلى ظاهره في غير موضعها ولها ضريبتها، بل يزيد من هذا البلاء من علي حرب بلاءًا آخر حيث يقول بأن (الحجب والمخاتلة) يمثل فعلاً قوة النص (ولهذا فأنا أذهب إلى أن قوة كل نص هي في حجبه ومخاتلته لا في وحدته وتجانسه) (6) وهنا ينحصر نقد النص في قراءة ما لم يقرأ، أو كشف المحجوب والمختفي، وهذه هي القراءة الحية، بخلاف القراءات الميتة، وهذه القراءة وهذا النقد من لا يقبلهما ومن لا يستوعبهما -حسب زعمه- فهو عاجز عن قبول التحدي (7) .
هذه هي قواعد علي حرب، والمتتبع لنشاط أغلب الفلاسفة المتأخرين يجد أنهم يدورون حول هذه المعاني.