يلاحظ أن هذه القواعد قد حولت النص، ومنه النبوي إلى لغز من الألغاز، بل وحصرت قوته وأهميته في قوة حجبه وإخفائه للحقيقة، وفي قوة تلاعبه وتمويهه بها ، وإذا نظرنا إلى ثقافات البشر، نجد أن هذه المعاني تناسب الألغاز، وتقترب من نشاط السحرة وأشباههم في تلبيس الحقائق، بل وتعتبر قوة الساحر في قدرته على إخفاء سحره وفي نجاحه في التمويه والتلاعب بأبصار الناس وعقولهم.
(1) … انظر المرجع السابق ص 12.
(2) … المرجع السابق ص 14.
(3) … المرجع السابق ص 15.
(4) … المرجع السابق ص 15.
(5) … المرجع السابق ص 16.
(6) … المرجع السابق ص 18.
(7) … المرجع السابق ص 25.
ويجب التنبيه في هذا المقام إلى أن لكل نص صورته الخاصة التي تميزه عن غيره، وحالته الخاصة، ووضعه الخاص، ولذلك تتمايز النصوص، ويختلف بعضها عن بعض، فنصوص لا يناسبها إلا الوضوح، ونصوص مجالها في بلاغتها ومجازاتها واستعاراتها، أما النصوص النبوية فهي نصوص لا تدخل تحت هذه التقسيمات الخاصة بنصوص البشر، فهي وحي من السماء، وهي نصوص لهداية البشر، نزلت بأفضل صورة، وعلى أكمل وجه، وبلسان عربي مبين، ففيها الحق، وفيها النور، وفيها الحياة، وفيها البيان، وفيها الهداية، وما كان كذلك فلا يناسبه الغموض والاختفاء والتمويه والتلاعب والحجب الذي ينادي به علي حرب، والذي لم يُكتشف إلا في القرن العشرين، وبقي غامضًا على الأمة الإسلامية وعن علمائها أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، فما أعظم جنايته على كتاب الله تعالى وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ، وعلى الأمة الإسلامية عمومًا، بل على الأديان السماوية كلها.
لقد جعل علي حرب للنص ظاهرًا وباطنًا، فالظاهر ما يعرفه الناس، وباطن أو مخفي أو محتجب أو مستور وهذا ما يعرفه علي حرب عن طريق تفكيكية اليهودي جاك دريدا، وهذا يذكرنا بالظاهر والباطن عند أهل التصوف وأهل الباطن، وهذا ربما يفسر سر إعجابه الكبير بابن عربي وببعض المتصوفة، وهو بهذا يخالف مزاعمه في جعل النص واسعًا حيث ضيقه، وجعله محصورًا في جانب واحد، وهو الباطن المخفي.
نعم إن كلام الله سبحانه وتعالى مليء بالمعاني والدلالات التي لا تنفذ، ولكن ليس معنى ذلك أن يُنظر إلى النص ويفسر أو يفكك -كما يقول علي حرب- بعيدًا عن سياقه، وبعيدًا عن مراد قائله، فالابتعاد عن النظر إلى النصوص متكاملة، والابتعاد عن قائلها يحول النصوص إلى ساحة لأهواء البشر ورغباتهم، وتفسير النصوص عندها بما يريده المفسر لا بما تريده النصوص وتدل عليه.
إن هذه الانحرافات الخطيرة، وخاصة في جانب النظر إلى النصوص الشرعية، عند علي حرب ومن شاكله في النقد أو التصور، له علاقة كبيرة بذلك التصور الفلسفي الفاسد نحو النصوص الشرعية الذي يزعم بأن النصوص الشرعية، نصوص تخييلية، أو أسطورية أو ما شابه ذلك من الأقوال حسب توجهات كل متفلسف، وإذا كان قد تم التحقق من السابقين من جهة أثر هذا التصور عليهم، ففي هذا الموطن ننظر إلى أثره في علي حرب.
يرى علي حرب وكما سبق بأن النص لم يعد يعبر عن حقيقة (1) ، وإنما كل نص يصنع حقيقة ويوهم الناس بها وليس بالضرورة لها وجود، والفضل في هذا الكشف يعود إلى مفكري التفكيك، ويرجع كذلك إلى اكتشافات دوسوسير في زلزلة المعنى والحقيقة (2) ، وهذا الأمر هو صورة غالية لقول الفلسفة وتصورها العام بأن النصوص النبوية نصوص تخييلية.
يركز علي حرب كغيره من المتأخرين على بعض القضايا التي تتعلق بالفرد والمجتمع من أجل الاستمرار -دون حذر- في نقد النص الديني أو أي نص، ومن أهمها الدعوة إلى فتح الباب أمام حرية الباحث في النقد، وأن يتحلى بها كل باحث، فيتخلص من كل سلطة حسية أو معنوية، وينفتح على نقد النصوص دون حرج، حتى ولو كانت هذه النصوص هي آيات كتاب الله أو أحاديث رسول ا صلى الله عليه وسلم ، وهي دعوة إلى حرية النقد لهذه النصوص بصورة تجعل الحرية فوضى مدمرة.
يقول علي حرب عن هذه الحرية بأنها (إمكانية الدخول على الإسلام من هوامشه ومنافيه، أو من مكبوتاته ومرذولاته، أو من عوالمه السفلية وقبلياته التاريخية؟ أو إمكانية الدخول على التراث الإسلامي من خارجه، كما يفعل المفكرون العرب المعاصرون الذين يدخلون على الإسلام وتراثه من الفضاء الغربي الحديث على اختلاف عقلانياته وأدواته المنهجية وأنظمته المعرفية) (3) ، وهذه الحرية (تعني إمكانية التعامل النقدي مع الإسلام لا بوصفه مرجعية مقدسة أو سلطة معرفية لا تجادل أو هوية ثابتة ونهائية، بل بوصفه أحداثًا تاريخية أو مخزوناً ثقافيًا أو رأس مال رمزي..) (4) .