هكذا أقام علي حرب نقده، على خطوات مرتبة، أولاً فتح النص أمام كل ناقد، خاصة بعد أن جعله كأي نص، وسلبه الحقيقة، وجعله نصا رمزيا ، أتى بعد ذلك ليزيل ما يمكن أن يتبقى لدى بعض المسلمين من احترام وتعظيم لكلام الله سبحانه وكلام رسول صلى الله عليه وسلم ، فمن خلال باب الحرية ومشروعيتها لا يبقى عند ذلك عائق عن النقد، وسواءً من جهة النص فهو مفتوح للنقد، أو من جهة قائله فلا عائق من جهة قائله (أو مؤلفه كما يقول علي حرب) ، لأن النص قد تم فصله عن قائله والمتكلم به، ولا عائق من جهة الناقد القارئ ، فمن خلال شعار الحرية خف تعظيم الله سبحانه وتعظيم رسول صلى الله عليه وسلم وتعظيم كلامهما.
(1) … انظر مثلاً. النص والحقيقة، الممنوع والممتنع ص 19،28،73 وأسئلة الحقيقة ورهانات الفكر ص6،8،60،61.
(2) … انظر أسئلة الحقيقة ورهانات الفكر ص 17،73.
(3) … علي حرب الاستلاب والارتداد، الإسلام بين روجيه غارودي ونصر حامد أبو زيد ص 108، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، 1997م.
(4) … المرجع السابق ص 109.
مع أن الناقد والقارئ قد تم إلغاؤه من قبل علي حرب، وجعل إمكانيته النقدية والتفسيرية محصورة في صورة ضيقة وضعها.
وبهذا لم يترك علي حرب أي باب أمام من أراد نقد النص الشرعي إلا وفتحه وزينه، فنكون بذلك مع أسوأ المتفلسفين تعاملاً مع النص الشرعي باسم المنهج النقدي، نحن نجد أحيانًا بعض الاعتذارات عند أركون ونصر حامد بأنهم لا يقصدون نقد النص الشرعي، وإنما يقصدون نقد التصورات المحيطة به، مع أنها اعتذارات كاذبة، أما علي حرب فهو يرفض مثل هذه الاعتذارات؛ لأنه لا حاجة إليها، وعندما صرح أركون مرة بإعجابه بالقرآن، فهذا موقف لا يعجب علي حرب لأنه (موقف إيماني عقائدي أو عشقي لا موقف ناقد محلل) (1) أما ما يعجبه في أركون فهو نقده الصريح للقرآن، فإن قراءته النقدية (أجدى وأخصب من القراءات الأيدلوجية التبجيلية التي تتعامل مع النص بوصفه معرفة ميتة أي جاهزة نهائية) (2) .
هكذا يصبح علي حرب أكثر غلوًا وتطرفًا في نقده للنص الشرعي، ويصبح أسوأ من الماركسيين والوضعيين وأشباههم، وهو يرى أن مشروعه يجعل الأولوية للإنسان بدل الإسلام والدين (3) ، مع أن الله لم ينزل دينه ويرسل رسله إلا من أجل صلاح الإنسان وسعادته، ولكنه (كعلماني) (4) لا يمكن أن يقبل دين الله سبحانه، ولا يقبل بتطبيقه في حياة البشر، لأن الذين (فكروا بتعليم البشر، أو بتطبيق الأفكار والنظريات لم يحصدوا سوى سراب أو خراب، أكانوا أنبياء أم فلاسفة) (5) ، وذلك يعود إلى أن النصوص النبوية بالذات والنصوص عمومًا لا تدل على حقائق، فإذا فرضناها على الناس، فنكون بذلك قد فرضنا عليهم أباطيل لا واقع لها، وعلى هذا القول الشنيع يكون جهد الأنبياء عليهم السلام في هداية الناس ودلالتهم إلى الحق إنما هو من باب العبث، لأن نصوصهم خالية من المعقولية حيث يقول: (لو نظرنا إلى النص النبوي من منظار نقد العقل لبدا لنا خاليًا من أية معقولية. من هذه الوجهة يُقرأ الخطاب بوصفه كلامًا لا مصداقية له ولا صلاحية، أي يجري التعامل معه وكأنه سند لا رصيد له من الحقيقة) (6) إننا نسير مع متفلسف لا يملك أية مبادئ أو ثوابت أو عقائد يؤمن بها ويصدق بها ولهذا فلا يستغرب منه مثل هذه المواقف ، يقول: (ليس المهم ما نؤمن به، وإنما المهم كيف يمارس المرء إيمانه أو يتعاطى مع معتقده سواء كان يؤمن بالدهر أم بغيره، بالخالق العظيم أم بالانفجار الكبير) (7) . انتهى كلام الأستاذ حسن الأسمري - وفقه الله - .
يضاف على ماسبق:
-في مقاله:"الحجاب وما يفضحه"! يقول علي حرب:"إذا كنت أحيي شيخ الأزهر على موقفه، فأنا لست معه في رأيه حول الحجاب، إذ لا أعده فريضة دينية، بل عادة من عادات اللباس تعود إلى المجتمع الأبوي والعبودي، وعلى فرض أنه فريضة، فالفرائض والأحكام تخضع للتبديل، لا يسعنا الآن العيش باتباع نفس القواعد والأحكام والعادات التي خضع لها من سبقونا منذ أربعة عشر قرناً"!! (الإنسان الأدنى، ص 153) . ويقول:"المرأة هي كائن اجتماعي من الدرجة الثانية في النظام الحقوقي الإسلامي"! (حديث النهايات، ص 65) . و يقول:"لا يمكن للثقافة في أي حال وأياً كانت درجتها أن تحرر العلاقة بين الرجل والمرأة من طابعها الجنسي على ما تتوهم المرأة المثقفة". (الفكر والحدث، ص179) .
-يحارب علي حرب الإسلام في كتبه متخفياً تحت ستار محاربة ما يسميه الأصولية. (انظر مثلاً كتابه: الأختام الأصولية والشعائر التقدمية، وكتابه: العالم ومأزقه) .
-يسخر من طالبان ومواجهتها لدولة الكفر"أمريكا"، ويقول عن الأفغان:"هم أكثر تشدداً وتطرفاً من العرب في ممارستهم لهويتهم الدينية، والشواهد على ذلك أسماؤهم الإلهية الدالة على الأحسن والأفضل، والأحق والأكمل، وهي صفات تكذبها على الأرض الممارسات البشرية الشيطانية". (العالم ومأزقه، ص80) .