3-"شغف العربي بالأوضاع والأشكال المثالية، حتى مع إدراكه في قرارة نفسه أنها تناقض الواقع وتخالف الحقيقة وطبائع الأشياء، وهو واجد في هذه الصورة المثالية ما يرضي حاسته الجمالية إرضاء لا توفره فوضى الواقع الذي يعيش فيه وتعقده… وقد كانت تعاسة غالبية أفراد المجتمعات الإسلامية أحد الأسباب الرئيسة في اختيارهم الهرب إلى الماضي، علّهم يجدون في أمجاده تعويضاً عن واقعهم البائس" (4) .
ويستكثر حسين أمين أن يكون للأمة الإسلامية سلف صالح، وينسب إلى الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه خامس السابقين إلى الإسلام وعاشر المبشرين بالجنة أنه لم يكن يُحسن الصلاة ويُفطر في نهار رمضان. ويصف حسين أمين الأئمة والفقهاء بـ (اللؤم وقلة الأمانة) ، ويصنفهم ضمن صنف الجبناء، ويتحدث عن مجتمع المسلمين بحسبانه أرض النفاق في عنوان بارز (5) .
ثانياً: وَصْم المنهج السلفي بالجمود وضيق الأفق، فنجده يصف منهج السلفيين الذين رفضوا التحايل على الأحكام الشرعية، أو التلاعب بنصوص القرآن الكريم، يصفه بالجمود الفكري والسطحية وضيق الأفق (6) . ويقول: لكي تسير سفينة العالم الإسلامي لابد من إلقاء الجثث منها، وأضخم هذه الجثث وأشدها تعفناً هي قبول المسلمين بتمكين يد الماضي الميتة من القبض على أعناقهم، وبتحكم قيم هذا الماضي ومعتقداته في حاضرهم ومستقبلهم (7) .
ثالثاً: معاداة الاتجاهات الإسلامية السلفية المعاصرة، فنراه يقول مهاجماً ومعنفاً:"تظهر جماعات دينية تطالب بالعودة إلى سنن السلف الصالح وتطبيق الشريعة، وهي لا تعلم شيئاً عن تاريخ أمة المسلمين، ولا عن تاريخ موضوع تطبيق الشريعة، ولم يرضها مدى تمكن الماضي من أنفسنا، بل تصر على أن يكون لهذا الماضي الهيمنة الكاملة على سلوكنا ومعتقداتنا ومقدراتنا، قاصرة حق التفكير على الأموات، وآبية على نفسها وعلى الغير حق التجديد والابتداع، … وكيف يسعني أن أصفح وأغتفر إذ أرى فريقاً قوياً من متخلفي العقول يقودهم أفراد من المرتزقة الخبثاء أو من المجانين؛ يسعى في نجاح إلى الرجوع بالأمة الإسلامية مئات السنين إلى الوراء، وإلى وأد كل فكر حر وكل بحث مخلص عن الحقيقة" (8) .
(1) … حول الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ص 268 بتصرف يسير.
(2) … المرجع السابق.
(3) … المرجع السابق ص 270.
(4) … المرجع السابق ص 271 - 272.
(5) … راجع المرجع السابق في الصفحات: 274 - 275، 203 - 207، 217 - 218. ودليل المسلم الحزين ص 126 - 133.
(6) … انظر: حول الدعوة إلى تطبيق الشريعة ص 214 - 215.
(7) … انظر: دليل المسلم الحزين ص 4.
(8) … حول الدعوة إلى تطبيق الشريعة ص 209، ودليل المسلم الحزين ص 7 - 8.
ونراه يعنف بشباب الصحوة الإسلامية ويصفهم بالمتطرفين لاطلاقهم اللحى، وارتداء بعضهم الجلابيب، وارتداء نسائهم النقاب، ولاقتناعهم بتحريم الموسيقى والغناء واقتناء الصور، وضرورة الأكل باليمين، وكراهية شرب المسلم وهو قائم، ولحرصهم على أداء الصلاة جماعة في المسجد، وقراءة صحيح الإمام البخاري (1) .
رابعاً: اتهام علماء الأمة وفقهائها بوضع الأحاديث واختلاق الأسانيد، فهو يدعي أن أتقياء المسلمين وفقهاءهم في عصور الإسلام المتقدمة كانوا يتساهلون بوضع الأحاديث التي من شأنها خدمة الإسلام وتعزيز الفضائل والإيمان، وأنه"لم يكن المعيار عندهم هو صدق نسبتها إلى رسول الله أو كذبها، وإنما المعيار هو مدى اتفاق مضمونها مع تعاليم الدين" (2) . ويزعم أنهم لما أفزعهم الكذب على الرسو صلى الله عليه وسلم أرادوا محاربة هذا الكذب فوضعوا أحاديث تحرم الكذب علي صلى الله عليه وسلم ، أي: أنهم أرادوا أن يحاربوا الكذب فكذبوا ووضعوا أحاديث في ذلك، ويضرب مثلاً لذلك بحديث (من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار(3 ) ) (4) ، علماً بأنه من الأحاديث المتواترة، وقد رواه أكثر من ستين صحابياً (5) ، ولم يستطع حتى الوضاعون نفيه، وإنما حاولوا صرف مدلوله عنهم؛ بزعمهم أنهم لم يكذبوا عليه وإنما كذبوا له. ويقول أيضاً:"ظل الفقهاء دوماً يُعملون فكرهم ويصلون إلى الرأي بالاجتهاد، غير أنهم صاروا إذا أرادوا الخروج به وتدريسه يلجأون إلى وضع الأحاديث، أو تفسير الأحاديث القائمة تفسيراً يوافق رأيهم؛ حتى يلقى الرأي قبولاً لدى العامة وأولي الأمر، وحتى يخرسوا المعارضين" (6) .