-"محمود أمين العالم: من كبار المفكرين العرب الماركسيين، الذين تناولوا في كتاباتهم العديد من القضايا الفكرية وحاولوا معالجتها على أساس المنهج المادي الجدلي؛ ووفق الرؤية الماركسية عامة، ومن المتحمسين للتوجه الماركسي، فنجده ينافح عن الماركسية ويمتدحها ويدافع عنها دفاعاً قوياً، من ذلك على سبيل المثال قوله:"والحقيقة أن النظرية الماركسية هي أنضج النظريات وأعمقها وأصرحها كذلك في فهم الديمقراطية وتقييمها، إنها النظرية الوحيدة التي تعترف بالأساس الاجتماعي الطبقي للديمقراطية، وتحدد السبيل العملي لتوفير أرقى مستوى من الديمقراطية للمجتمع البشري، ومنها اختلفت الآراء حول التطبيق الديمقراطي في البلدان الاشتراكية ، وحول مفهوم دكتاتورية البروليتاريا، فإن النظرية الماركسية للديمقراطية تكاد تكون النظرية العلمية المسلم بها عند المناضلين في جميع أنحاء العالم، على اختلاف تجاربهم الاجتماعية، بل وعلى اختلاف مواقفهم من النظرية الماركسية نفسها. والنظرية الماركسية للديمقراطية هي في الحقيقة تعميم علمي لتجربة المجتمع البشري عبر تاريخه الطويل، وهو يتمرس بأنماط متنوعة من علاقات الإنتاج وأشكال الحكم…" (1) . وقوله:"إن القول بالحتمية التاريخية لا يتنافى أبداً مع القول بقدرة الإرادة البشرية على التغيير الاجتماعي والتاريخي، بل إن إرادة الإنسان تُمكِّن للحتمية أن تتحقق، كما أن الوعي بالحتمية يُمكّن للإرادة أن تكون فاعلية وحرية" (2) ."
ونجده يرد على منتقدي المبادئ الماركسية (3) ، ويدعو إلى دكتاتورية الطبقة العاملة (البروليتاريا) ، ويجتهد في تبرير تلك الدكتاتورية وبيان فضائلها ومحاسنها (4) .
كما نجده يدعو إلى التطبيق العملي للماركسية أو الاشتراكية العلمية -كما يسميها- بوصفها الطريق الوحيد لتحقيق الرقي والتقدم الاجتماعي والتوحيد القومي (5) .
ويقف من السلفية والسلفيين موقفاً معادياً متهجماً متجنياً، حيث يُعَرِّف السلفية في الفكر العربي الإسلامي الحديث والمعاصر بأنها:"نزعة دينية تتخذ من العودة إلى الأصول ومن الاستئناس بتراث الماضي معياراً أساسياً لتقييم الحاضر ومواجهته وصياغة المستقبل"، ثم يقول بعد ذلك:"وهذا تعريف صحيح، ولكنه غير كاف وحده لتحديد معالم الحركة السلفية في فكرنا الحديث والمعاصر، فالسلفية كذلك وبشكل عام حركة وطنية إصلاحية، تتسم بالمعارضة والرفض لأوضاع الفساد والتخلف والتشرذم الاجتماعي والتبعية للغرب، وهي دعوة إلى اتخاذ الأصول الدينية وتراث الماضي أساساً للتخلص من هذه الأوضاع. فإذا انتقلنا من التعريف الأول المجرد، ومن التعريف الثاني العام، وحاولنا أن نتلمس الحركة السلفية في تجلياتها الواقعية المختلفة لوجدنا اختلافات شتى في الممارسات العملية والتوجهات الفكرية، فليس هناك سلفية واحدة، هناك أكثر من سلفية تختلف باختلاف العوامل الموضوعية والاجتماعية التي وَلَّدتها وأبرزتها في هذه البلد أو تلك، في هذه اللحظة التاريخية أو تلك، بل هناك أكثر من سلفية داخل السلفية الواحدة، فقد تبدأ من نقطة، وسرعان ما تتغير وتتبدل عبر ممارساتها، بل قد تنتهي إلى نقطة وموقف البداية، وما أكثر الأمثلة الحية الماثلة في واقعنا العربي منذ القرن الثامن عشر حتى اليوم. لقد أصبحت بعض الحركات السلفية أدوات لتكريس التخلف وتعميق التبعية بعد أن كانت قد بدأت دعوتها حرباً عليهما، أصبحت أيديولوجيات رسمية لبعض أنظمة الحكم العربية، لإضفاء مشروعية عليها، ولإخفاء تخلفها وفسادها وتبعيتها. على أن الجانب الوطني الإصلاحي المتمرد على واقع التخلف والفساد والتبعية لا يزال صفة بارزة لبعض الحركات السلفية المعاصرة، وإن اختلفت منهاجها العملية وتوجهاتها الفكرية، فمن بين هذه الحركات المتمردة نزعات تتسم بالتزمت والجمود، وفقدان الرؤية الاجتماعية والتاريخية تماماً، ومن بينها نزعات تتميز بالتفتح والاستنارة، كهذا التيار الفكري الذي أشرنا إليه فيما سبق وأسمينا أصحابه بالسلفيين الجدد" (6) ، ويعني بهم محمد عمارة، وحسن حنفي، وأنور عبد الملك، وطارق البشري، وعادل حسين، وجلال أحمد أمين.
(1) … معارك فكرية ص 175-176.
(2) … المرجع السابق ص 205.
(3) … راجع: المرجع السابق ص 201-214.
(4) … راجع: المرجع السابق ص 178-186.
(5) … راجع: المرجع السابق ص 188-200.
(6) … الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر ص 237-238، ط الأولى 1988م، نشر: دار عيون، الدار البيضاء -المغرب.