-ويَدَّعي -عند حديثه عن المفهوم الديني السلفي للزمن التاريخي- أن الزمن عند السلفيين المُحْدَثين زمن هابط، وأنهم تجريديون مثاليون يسعون إلى إلغاء حركة التاريخ، بفرض نسق تاريخي معين على التاريخ كله، فنراه يقول -خالطاً مع السلفيين غيرهم-:"يَعتبر المفهوم الديني السلفي الذي نتابعه، منذ بدايته الأولى في الحركة الوهابية حتى حركة الإخوان المسلمين، وخاصة في كتابات سيد قطب، وفي حركة (التكفير والهجرة) ، يعتبر هذا المفهوم الحاضرة الحديثة شكلاً آخر من أشكال العصر الجاهلي الذي ينبغي رفضه وإزالته، على أن يُستبدل به نسق آخر من الحياة، هو نسق مرحلة الدعوة الأولى. والزمن عند أصحاب هذا المفهوم زمن هابط، إلا أنه في المقدور السيطرة عليه وتعديل مساره. وبالرغم أن هذا المفهوم يتضمن مشروعاً في التاريخ وفي مواجهة التاريخ، إلا أن هذا المشروع مشروع غير تاريخي يقوم على التماثلية في حركة التاريخ، أي: إلغاء هذه الحركة بفرض نسق تاريخي معين على التاريخ كله. والفعل التاريخي بحسب هذا المفهوم هو فعل إرادي انقلابي أساساً، يهدف إلى إزالة ما يراه شذوذاً في مرحلة تاريخية، ليحقق تماثلاً مع مرحلة أخرى مثالية نمطية" (1) .
-ويحدد النهج السلفي في التفكير فيقول:"هو تنقيب في الماضي التاريخي والتراثي لاكتشاف ثوابت معيارية يمكن اتخاذها سنداً لإضفاء المشروعية على توجهات سياسية أو فكرية في الحاضر، أو تقديم تبرير تاريخي تراثي لها…، والتاريخ عند المفكر السلفي متماثل الآنات واللحظات والمراحل غير متحرك أو متطور، بل قد يكون تراجعاً وانحداراً وليس تقدماً أو تطوراً. فالماضي عنده هو محور الإشارة الذهبي المطلق الصحة والكمال، ولهذا فقيمة أي فكر أو أي فعل إنما تقاس بمدى مطابقتها أو اقترابها من محور الإشارة هذا، على أن هذا النهج السلفي في التفكير قد نجده كذلك عند كثير من المفكرين الذين يتبنون دعوة التحديث والتجديد، وتتمثل هذه السلفية عندهم في التوقف عند نص باعتباره معياراً ثابتاً مطلق الصحة، ورفض أي محاولة لتأويله أو الخروج عليه إذا كشفت حركة الحياة المتجددة ضرورة ذلك، كما تتمثل هذه السلفية في مختلف مواقف التشبث والجمود عند ثوابت أو سمات معينة في مختلف الخبرات الإنسانية الماضية، واتخاذها كذلك معياراً ثابتاً مطلق الصحة للحكم والتقييم والسلوك، مع افتقاد روح العقلانية والنقد والكشف والإبداع" (2) .
-ويعود مؤكداً قوله السابق فيقول:"خلاصة الأمر أن الموقف السلفي -عامة- من مفهومي الخصوصية والأصالة، سواء في المجال الديني أو السياسي أو الاجتماعي، هو: البحث عن ثوابت مجردة مطلقة، واتخاذها معياراً نهائياً لتقييم الحاضر وتبريره وتكريسه. على أن الخصوصية في الحقيقة ليست ثوابت مجردة مطلقة فوق المكان والزمان، بل هي سمات مشروطة اجتماعياً وتاريخياً، ولهذا تختلف الخصوصيات باختلاف الملابسات الاجتماعية والتاريخية. حقاً هناك بعض السمات المشتركة المتصلة عبر التاريخ، ولكن هذه السمات نفسها تختلف وتتنوع باختلاف وتنوع الملابسات الاجتماعية والتاريخية. ولا شك أن الأوضاع الجغرافية الثابتة قد تلعب دوراً في تحديد بعض هذه السمات، على أن الأوضاع الجغرافية نفسها محكومة في كثير من الأحيان -إن لم يكن دائماً- بالأوضاع السياسية، فهي في الحقيقة أوضاع جغرافية سياسية؛ ولهذا فهي بالضرورة كذلك مشروطة اجتماعياً وتاريخياً. وتأسيساً على هذا فإن القول بالاستمرارية التاريخية المجردة المطلقة هو قول ميتافيزيائي غير علمي، وقول سلفي في جوهره وكذلك الشأن بالنسبة للأصالة، فالأصالة لا تكون بالارتباط بثوابت تراثية قديمة على نحو مجرد مطلق، وإنما تكون باستيعاب التراث القديم استيعاباً نقدياً، كما تكون -أساساً- بعمق الفاعلية الإبداعية الإنسانية، بحسب مقتضيات وملابسات وتكوينات الواقع الاجتماعي والتاريخي المعين، لا ارتفاعاً فوقه أو تعالياً عليه أو تغافلاً عن حقائقه الحية. ليست الخصوصية استمراراً تاريخياً راكداً لنمط ثابت، وليست الأصالة استغلاقاً وانغلاقاً فكرياً وقيمياً في إطار خبرة تاريخية في لحظة عبر سيادة روح النقد والعقلانية والفاعلية والبناء والإنجاز والإبداع، أما غير ذلك فهو شكل من أشكال السلفية والجمود إن لم يكن الغفلة والتضليل" (3) .
(1) … دراسات في الإسلام -لمحمود أمين العالم وآخرين ص 125، ط الثالثة 1985م، دار الفارابي -بيروت.
(2) … الوعي والوعي الزائف ص 201 - 202.
(3) … المرجع السابق ص 203.