فهرس الكتاب

الصفحة 20780 من 27364

يقول هويدي:"إننا نستطيع القول في ثقة تامة بأنه لن ينتقص شيء من أعلام الإسلام، إذا ما أقيمت على أرض الإسلام معابد لغير المسلمين، تماماً كما لم ينتقص شيء من مسجد رسول الله حينما استضاف فيه وفد نصارى نجران وحاورهم في رحاب المسجد، وأذن لهم بالصلاة فيه جنبًا إلى جنب مع المسلمين" (4) .

تعليق:

هذه -أخي المسلم- أبرز المسائل التي خالف هويدي فيها الصواب في قضية (أهل الذمة وحقوقهم) واختار جانب تقديم التنازلات الكثيرة على حساب النصوص الشرعية وإجماع الأمة بغية الظهور بمظهر المفكر (العقلاني) (الوسطي) (الحضاري) … إلخ.

وليته -هداه الله- اكتفى بالجنوح لتبني هذه الآراء الشاذة دون أن يُعَرض لقرائه بأن قوله هو القول الذي يُمثل قول جمهور علماء الأمة قديمًا وحديثًا! إذاً لهان الخطب، لأننا لا نملك أن نردّ كل ضال عن أن يصرِّح بقناعاته التي تعلق بها.

فهويدي قد جمع بين اختيار القول الشاذ أو الباطل المخترع، وبين نسبة ذلك زورًا إلى الفئة العظمى من علماء الأمة.

فما الذي دعاه لذلك؟ وما هي شبهاته التي ساقته إلى المجاهرة بتلكم الآراء الغربية؟ هذا ما سنعرفه الآن من خلال تتبع كتاباته.

الشبهة الأولى:

احتجاجه بآيات تكريم الإنسان في القرآن.

تعقيب:

يخلط هويدي هنا خلطًا عجيباً، حيث يزعم أن آية تكريم الإنسان (ولقد كرّمنا بني آدم) (5) فيها دليل على مساواة المسلم بالكافر!!

ولا يعلم بأن هذه الآية واردة في الإنسان من حيث هو إنسان، حيث كرمه وفضله على غيره من المخلوقات، ويسرَّ له أسباب السير في البر والبحر، ورزقه من الطيبات.

(1) … مواطنون لاذميون، ص 104 - 107 .

(2) … جريدة الأهرام، تاريخ: 17/3/1987م.

(3) … جريدة الأهرام، تاريخ: 18/8/1987م.

(4) … مواطنون لاذميون، ص 200.

(5) … سورة الإسراء، الآية: 70.

فكان الواجب على هذا الإنسان أن يشكر ربه على هذا التكريم وهذه النعم الكثيرة، فيتبع رسله، ويطيع أوامره، ويجتنب نواهيه، ويوحده حق توحيده، ويقوم بعبادته -سبحانه وتعالى-.

فأما إذا لم يفعل هذا واختار الكفر على الإيمان والمعصية على الطاعة، فإن هذا التكريم للنوع الإنساني ليس بنافعه، لأنه سيكون من المهانين عند الله تعالى عندما بدل نعمته كفرًا.

ومثال هذا -ولله المثل الأعلى-: أن يقوم ملك من الملوك بتكريم بعض عبيدة وإعطائهم ما يحتاجونه في معيشتهم ويميزهم على غيرهم من عبيدة الآخرين ثم يطلب منهم أن يعملوا له عملاً من الأعمال جزاء هذا التكريم، فبعضهم لم يقم بهذا العمل بل عصى الملك وخالف أمره، فما ظنكم؟ هل يساوي الملك بين الطائفتين: العاملة والمقصرة!؟ أم يقول لمن عصاه بأنني نعم قد كرمتكم وفضلتكم على غيركم ولكنكم لم تراعوا هذه النعمة، بل استخدمتموها في معصيتي ومخالفة أمري، فلهذا ليس لكم عندي إلا الإهانة وعدم مساواتكم بالطائعين!؟

فهكذا الإنسان كرَّمه الله وفضله على كثير من خلقه، ثم طلب منه اتباع أمره واجتناب نهيه، فإن أجاب بقي على تكريمه السابق، وإن لم يجب انقلب ذاك التكريم إلى مهانة.

وقد اختلفت أقوال المفسرين في هذا (التكريم) ما هو؟ فقال ابن جرير الطبري:" (ولقد كرَّمنا بني آدم) بتسليطنا إياهم على غيرهم من الخلق، وتسخيرنا سائر الخلق لهم" (1) ،" (وفضّلناهم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلاً) ذُكر لنا أن ذلك تمكنهم من العمل بأيديهم، وأخذ الأطعمة والأشربة بها، ورفعها بها إلى أقواهم، وذلك غير متيسر لغيرهم من الخلق (2) ."

وقال ابن كثير في تفسير الآية:"يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم وتكريمه إياهم في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها. كقوله (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) أن يمشي قائماً منتصباً على رجليه ويأكل بيديه، وغيره من الحيوانات يمشي على أربع، ويأكل بفمه، وجعل له سمعًا وبصراً وفؤاداً يفقه بذلك كله وينتفع به ويفرق بين الأشياء، ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدينية والدنيوية" (3) .

وقال الشوكاني:"هذه الكرامة يدخل تحتها خلقهم على هذه الهيئة الحسنة، وتخصيصهم بما خصهم به من المطاعم والمشارب والملابس على وجه لا يوجد لسائر أنواع الحيوانات مثله" (4) .

وقال القرطبي:"الصحيح الذي يعوَّل عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف" (5) .

وقال سيد قطب:"ذلك وقد كرم الله هذا المخلوق البشري على كثير من خلقه، كرمه بخلقته على تلك الهيئة، بهذه الفطرة التي تجمع بين الطين والنفخة، فتجمع بين الأرض والسماء في ذلك الكيان!"

وكرمه بالاستعدادات التي أودعها فطرته؛ التي استأهل بها الخلافة في الأرض، يغير فيها ويبدل، وينتج فيها وينشئ، ويركب فيها ويحلل، ويبلغ بها الكمال المقدر للحياة.

وكرمه بتسخير القوى الكونية له في الأرض وإمداده بعون القوى الكونية في الكواكب والأفلاك.

وكرمه بذلك الاستقبال الفخم الذي استقبله به الوجود، وبذلك الموكب الذي تسجد فيه الملائكة ويعلن فيه الخالق جل شأنه تكريم هذا الإنسان!" (6) ."

وقال ابن الجوزي:"فإن قيل: كيف أطلق ذكر الكرامة على الكل، وفيهم الكافر والمهان؟"

فالجواب من وجهين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت