فهرس الكتاب

الصفحة 20781 من 27364

أحدهما: أنه عامل الكل معاملة المكرَم بالنعم الوافرة.

والثاني: أنه لما كان فيهم من هو بهذه الصفة، أجرى الصفة على جماعتهم، كقوله (كنتم خير أمةٍ أُخرجت للناس) (7) " (8) ."

قلت: والأولى أن يقال ما سبق أن ذكرته، وهو أن الإنسان مكرَّمٌ من حيث هو إنسان، ومفضل على غيره من المخلوقات، أما إذا كفر وأعرض فإنه يكون مهاناً عند الله، ولا ينفعه تكريمه السابق، فهذا التكريم كالولد والمال فإنها من نعم الله على الإنسان، ولكنها لا تقرِّب الإنسان زلفى عند الله، إلا من آمن واستغل ذلك كله في طاعة الله، كما قال سبحانه: (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن) (9) .

أقول هذا ليكون هناك عدم تعارض بين هذه الآية وآيات (إهانة) الكفار -كما سيأتي0.

أما هويدي فإنه عندما أحس بهذا التعارض الذي سيُبطل قوله أخفى آيات (الإهانة) ولم يتعرض لها! وهذا دأب أهل البدع يذكرون الذي يظنونه مؤيداً لبدعتهم، ويخفون ما ينقضها ولا يذكرونه، بخلاف أهل السنة الذين وفقهم الله -تعالى- للعمل بآياته كلها موفقين بينها.

أما الآية الثانية التي ظن هويدي أنها تشهد لبدعته فهي قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) (10) فهي كالآية السابقة، يخبر فيها الله -عز وجل- بأنه قد خلق الإنسان في صورة حسنة، وهيئة كاملة.

قال ابن كثير:"في أحسن صورة، وشكل منتصب القامة، سوي الأعضاء، حسنها" (11) .

(1) … تفسير الطبري (8/115) .

(2) … تفسير الطبري (8/115) .

(3) … تفسير ابن كثير (3/55) .

(4) … فتح القدير (3/350) .

(5) … تفسير القرطبي (10/294) .

(6) … في ظلال القرآن (4/2241) .

(7) … سورة آل عمران، الآية: 110.

(8) … زاد المسير (5/63) .

(9) … سورة سبأ، الآية: 37.

(10) … سورة التين، الآية: 4.

(11) … تفسير ابن كثير (4/563) .

وفي هذه الآية ردٌ بليغ على هويدي ولكنه لم ينتبه له، أو تعمد إغفاله! ولهذا حجب ما بعد هذه الآية ولم يذكره، لأنه يعود على قوله بالنقض، حيث قال الله بعد هذا الخلق الحسن (ثم رددناه أسفل سافلين، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) (1) .

قال ابن كثير -رحمه الله-:" (ثم رددناه أسفل سافلين) أي إلى النار، قاله مجاهد وأبو العالية والحسن وابن زيد وغيرهم: ثم بعد هذا الحُسْن والنضارة مصيرهم إلى النار إن لم يطع الله ويَتَّبع الرسل، ولهذا قال (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) " (2) .

أما من قال بأن قوله تعالى: (ثم رددناه أسفل سافلين) (3) أي إلى أرذل العمر فقد رده ابن كثير بقوله:"لو كان هذا المراد لما حَسُن استثناء المؤمنين من ذلك، لأن الهَرَم قد يصيب بعضهم، وإنما المراد ما ذكره، كقوله: (والعصر، إن الإنسان لفي خُسرٍ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) (4) " (5) .

قلت: فتأمل قوله ما أحسنه، وهو رد مفحم على هويدي بنفس الآية التي احتج بها على بدعته! ولكنه شابه اليهود بإخفاء آخرها.

أما احتجاج هويدي بقوله تعالى: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) (6) ، وقوله (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) (7) ، وقوله (فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) (8) فهو من أعجب العجب، لأن هذه الآيات واردة في آدم -عليه السلام- وأن الله قد كرمه باسجاد الملائكة له، فما دخل (تكريم) الكفار بهذا!؟ وهل يلزم من تكريم أبينا آدم -عليه السلام- أن يكون جميع أبنائه -مسلمهم وكافرهم- مكرَّمين!؟ لا يقول هذا عاقل، لأن ابن آدم لصلبه عندما قتل أخاه لحقه من الذم ما لحقه، وقال فيه صلى الله عليه وسلم"لا تُقْتل نفس ظُلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل" (9) .

فإذا كان r قد قال هذا عن ابن آدم لصلبه، فما حال أبنائه الآخرين ممن بدَّل وأعرض عن الهدى؟

قلت: ما سبق كان ردًا على الشبهة الأولى التي احتج بها هويدي، وبقي في نقضها أن يقال:

1-ما قول هويدي في آيات (الإهانة) للكافرين والمعرضين، وكيف يوفق بينها وبين هذا (التكريم) المزعوم للجميع الذي يراه هويدي؟

فقد وردت عدة آيات تدل على أن الله قد أهان الكفار وأذلهم ولم يكرمهم سواء في الدنيا أم في الآخرة، فمن ذلك قوله تعالى: (ومن يُهن الله فما له من مُكرمٍ) (10) ، فدل على أن هناك من يهينه الله، فإذا أهانه لم يكن من (المكرمين) .

وقال تعالى عن بعض الكفار في الدنيا (فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون) (11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت