فهرس الكتاب
يقول الدكتور القوسي:"الدكتور أحمد كمال أبو المجد (1) الذي دأب في كتاباته على التقليل من شأن السلف الصالح من الصحابة والتابعين وانتقاد منهجهم، والزهد بعلمهم، والتنصل من أقوالهم واجتهاداتهم. ومن ذلك على سبيل المثال قوله في الدعوة إلى التحديث والتوسع في الاجتهاد:"أما اجتهاد القدماء من السلف فإنه يظل تجربة غير ملزمة.. وتاريخ المسلمين منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا تاريخ أمة من البشر عامر بالخير والشر معاً، فإلى جوار أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، عاش أبو جهل وأبو لهب وأمية بن خلف، وإلى جانب العدل الذي قام عليه الحكم في أيام الخلافة الراشدة وجدنا من يصف الحاكم بأنه ظل الله في الأرض… وكما كان أصحاب صلى الله عليه وسلم أشداء على الكفار رحماء بينهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، خلف من بعدهم خلف رجعوا كفارًا يضرب بعضهم رقاب بعض، وصار بأسهم بينهم أشد من بأسهم على عدوهم… تلك إذن أمم قد خلت لها ما كسبت ولنا -اليوم- ما كسبنا، والتراث تجارب، واجتهاد السلف سوابق، والحاضر لا يصلح له إلا اجتهاد جديد" (2) . وقوله أيضاً:"البشر كل البشر يُؤخذ من كلامهم ويُترك، ويُقبل من آرائهم ويُرفض، ويناقشون فيما يقولون ويفعلون، والتسليم لهم -بغير مناقشة- ذل وعبودية، وإهدار لنعمة العقل وملكة البحث" (3) ، ويُدخل أبو المجد في هذه الآراء آراء فقهاء الأمة وأئمتها محتجاً في ذلك -على سبيل المغالطة- بأن الإمام أبا حنيفة كان إذا انتهى الأمر به إلى فقه التابعين وتابعيهم يجتهد كما اجتهدوا، ويقول:"هم رجال ونحن رجال" (4) ."
ويصنف أبو المجد عناصر الجمود التي أراد مواجهتها إلى أربعة تيارات معاصرة، ويجعل على رأسها: التيار المحافظ الذي -كما يقول-:"يفسر السلفية بأنها التزام ما انتهى إليه الأولون من السلف من آراء ومواقف وأحكام؛ لا يُنكر جواز الاختيار بينها ولكنه يرى في تجاوزها تجاوزاً للإسلام وابتداعاً فيه، وفتحاً لأبواب الهوى وتحكيماً للمعقول في الشريعة، وقد جاءت حاكمة للناس لا محكومة بعقولهم وأهوائهم" (5) .
ويُطلق -وهو يتحدث عن الصحوة الإسلامية المعاصرة- على المحافظين على منهج السلف الصالح اسم"مدرسة الجمود على الموجود"، ويعدُّها إحدى المدرستين اللتين يموج بهما العالم الإسلامي المعاصر (6) ، ويقول عن منهج هذه المدرسة: إنه"منهج خوفٍ مقيم على الإسلام، وهلع مذعور على المسلمين من كل نغمة جديدة أو اجتهاد جديد يجتاز به أصحابه السدود الكثيفة، ويخترقون حجب الجمود إلى أفئدة المسلمين وعقولهم، وكأنما استحفظ أفراد تلك المدرسة -وحدهم- على دين الله وعلى ضمائر العباد" (7) .
وينكر أبو المجد -في عموم كتاباته- على الملتزمين بالمنهج السلفي محافظتهم على شريعة الإسلام من أن تنالها أيدي العبث والتغيير تحت مسمى (التحديث) و (التطور) ، وتَمَسكَهم بالضوابط الشرعية للاجتهاد في الأحكام. ويصفهم -على سبيل الازدراء- ببعض الأوصاف البذيئة، كقوله: بأنهم"يرفضون أن ينظروا إلى أبعد من مواقع أقدامهم، ويتصورون أن من حقهم أن يضربوا بين المسلمين وبين سائر العالم بسور غير ذي باب، أو يتخيلوا أن المسلمين يستطيعون أن يقيموا مجتمعهم على صورة نماذج المجتمعات الإنسانية التي قامت منذ آلاف السنين، وأن يستغنوا بذلك عن الاجتهاد من جديد، أولئك يحرثون في البحر ويطلبون غير مطلب، ولن تتوقف الحياة لتناقش خيالهم المريض" (8) . ويُرجع سوء تصرفهم وخطأ منهجهم -في نظره- وإشفاقهم من سوء فهم بعض التيارات الإسلامية للإسلام إلى أسباب عدة منها:
"أولاً: الاتجاه إلى اجترار الماضي واستعادة تجاربه الأولى، والذهول عن حقائق الحاضر وتغيرات المستقبل" (9) .
"وثانياً: الاتجاه إلى التمسك بحرفية النصوص، وتعطيل دور العقل في عملية تغيير المجتمع" (10) .
ويقول راداً عليهم تحذيرهم مما في الدعوة إلى تحديث الإسلام من مزالق ومحاذير:"إن خطر الجمود والعقم هو الخطر الأكبر الذي ينبغي أن نبدأ بالتنبيه إليه، وإن تحريك المسلمين عامتهم وعلمائهم إلى خوض معركة التجديد والاجتهاد وتحمل تبعاتها يحتاج من الشجاعة والصبر إلى أضعاف ما يحتاج التذكير بهذه المحاذير" (11) .
(1) … سبقت ترجمته .
(2) … حوار لا مواجهة ص 242.
(3) … المرجع السابق ص 86-87.
(4) … المرجع السابق ص 89.
(5) …مقال (مواجهة مع عناصر الجمود في الفكر الإسلامي المعاصر) ، مجلة (العربي) ، العدد (222) الصادر في مايو 1977م، ص 16.
(6) … انظر: حوار لا مواجهة ص 7.
(7) … المرجع السابق ص 8، وانظر: ص 5-6 من المرجع نفسه.
(8) … المرجع السابق ص 90.
(9) … المرجع السابق ص 174.
(10) … المرجع السابق ص 175.
(11) … مقال (الخيط الرفيع بين التجديد في الإسلام والانفلات منه) ، مجلة (العربي) ، العدد (225) الصادر في أغسطس 1977م ص 15.