فهرس الكتاب

الصفحة 20795 من 27364

ويقول أيضاً -منتقداً منهجهم في جعل ولاء المسلم لدينه وعقيدته لا لوطنه وقومه-:"ومن الناس من يرى أن الإسلام هو وحده مصدر القيم ومحدد مضمون الثقافة، وأنه وحده -عند المؤمن- أساس الارتباط بالأمة، وأن محاولة صرف المسلمين عن هذا الولاء إلى ولاءات عرقية يُعَدُّ رجعة إلى الوراء وتفتيتاً لوحدة المسلمين وتوهيناً لأخوة الإسلام، كما يرون فيما يصاحب الدعوة القومية -عند بعض دعاتها- من مناداة بالعلمانية؛ مناقضاً تماماً لطبيعة الإسلام ولا يسع مسلماً قبوله" (1) . ويرى أن الصواب هو"أن يظل العربي المسلم عربي الثقافة واللسان، عربي التوجه السياسي، مدركاً لخصوصية الرابطة الثقافية والمصلحة التي تربطه بالعرب جميعاً مسلمين وغير مسلمين" (2) .

ويقول أبو المجد كذلك منتقداً موقفهم من حق التشريع:"هناك من يرى أن التشريع في الجماعة المؤمنة لا يكون لغير الله، وأن التشريع من جانب البشر مشاركة لله تعالى في حاكميته، وهو لذلك يكاد -عملياً- يحصر دائرة التشريع في النصوص، ويخشى أشد الخشية من نداءات الأخذ بالمصالح واعتماد دور العقل في التشريع، وقد يضيف بعضهم إلى ذلك أن لا حاجة بالعرب والمسلمين إلى إقحام العقل في هذا الميدان، لأن الكتاب والسنة يغنيان، ولأن القرآن جاء كما يقول الحق سبحانه وتعالى: (تبياناً لكل شيء) (3) ، ثم قد يضيف بعض العامة إلى ذلك تصوراً مؤداه أن التشريع الإسلامي قائم وموجود وكامن في أقوال السلف والعلماء، وأنه ما من مسألة تعرض لنا اليوم إلا ولها حكم في الكتاب والسنة، ولها شرح وتفصيل وتعليل في مؤلفات السلف من الفقهاء والأصوليين" (4) .

والإسلام عند أبي المجد لا صلة له بتنظيم أمور الحياة وتقديم الحلول الثابتة للمشكلات، وليس من مقتضياته، حيث يقول:"إنه إن كان الإسلام نظاماً شموليا بحكم وحدة مصدره وترابط قيمه وأحكامه، وبحكم وحدة الكيان الإنساني الذي يتعامل معه، وإذا كانت هذه الشمولية تجعل منه ديناً ودولة وعقيدة ونظاماً كما يقال بحق، فإن هذا لا يعني بالضرورة أنه فصل أحكام بناء الدولة ودقائق نظام الاقتصاد" (5) . ويرفض ما سماها"النظرة الدينية الشمولية التي تستغرق أحوال الفرد والجماعة على اختلافها، وتعالج أمورها من منظور ديني خالص يستمد شرعيته ومضمونه معاً من النصوص الدينية التي يُعتبر التسليم بها جزءاً أساسياً من أجزاء اليقين الديني" (6) ، ويرى الصواب في"أن الدين -والإسلام بصفة خاصة- يمتد اختصاصه إلى جوانب الحياة الفردية والجماعية للمؤمنين به، ولكنه امتداد عناية ورعاية وتوجيه، وليس -بالضرورة- اختصاص تدخل مباشر بالتنظيم وتقديم الحلول النهائية الثابتة" (7) . ويقول:"يُسرف البعض في تصوير تميز الإسلام عقيدة وشريعة عن كل ما عداه، ويتصور لذلك أن تطبيق الشريعة يعني أولاً سقوط كل التشريعات الوضعية المطبقة في بلاد المسلمين، وإقامة نظام جديد تماماً على أسس اعتقادية وأخلاقية جديدة" (8) .

ويرفض أبو المجد رفع شعار (حاكمية الله على خلقه) في البلاد الإسلامية، وكذا شعار (لا حكم إلا لله) ، وذلك لأنهما -في نظره- من شعارات الخوارج ومبعث فتنة وتفرق بين المسلمين، فنراه يقول:"والحق أننا لا نستريح البتة لهذا التعبير -الحاكمية-" (9) . ويقول أيضاً:"والحق أن شعار (لا حكم إلا لله) منذ رفعه الخوارج في وجه علي -رضي الله عنه- إلى يومنا هذا كان مبعث فتنة وباب فوضى ومدخل تشرذم وتفرقة بين المسلمين" (10) .

ويعتقد أبو المجد بطلان قول العلماء:"إنه لا مدخل للعقل في التشريع، لأن الحكم لله وحده وحق التشريع لا يملكه أحد سواه؛ دخولاً في طاعته واعتزازاً بحاكميته" (11) ، ويدعو -في اتجاهه التحديثي- إلى"توسيع دائرة العقل والإفساح له ليؤدي دوره في ميدان التشريع" (12) ، وذلك على النحو التالي:

التوسع في فتح باب الاجتهاد، وعدم الاقتصار فيه على الفروع فحسب، بل والأصول أيضاً، حيث يقول:"والاجتهاد الذي نحتاج إليه اليوم ويحتاج إليه المسلمون، ليس اجتهاداً في الفروع وحدها، وإنما هو اجتهاد في الأصول كذلك، وكم من مسألة تواجه المسلمين اليوم فإذا بحثوها وأعملوا الجهد طلباً لحكم الإسلام فيها أفضى بهم بحثهم إلى وقفة مع الأصول" (13) .

(1) … حوار لا مواجهة ص 19.

(2) … المرجع السابق ص 20.

(3) … سورة النحل الآية 89.

(4) … حوار لا مواجهة ص 18.

(5) … مقال (مواجهة مع عناصر الجمود) ص 20.

(6) … حوار لا مواجهة ص 16.

(7) … حوار لا مواجهة ص 16.

(8) … المرجع السابق ص 18.

(9) … المرجع السابق ص 127.

(10) … المرجع السابق ص 136.

(11) … المرجع السابق ص 34.

(12) … المرجع السابق ص 19.

(13) … المرجع السابق ص 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت