فهرس الكتاب

الصفحة 20796 من 27364

الاعتماد على مقاصد الشريعة دون نصوصها، فهو ممن يرون"أن الشريعة مقاصد قبل أن تكون نصوصاً، وأن تكاليفها كلها ترجع إلى تحقيق مقاصدها، وأنها ليست إلا أمارات ودلائل على تحقيق تلك المقاصد في حالات جزئية هي ما جاءت به النصوص" (1) ، وأن التعويل في الأحكام الشرعية إنما هو على تحقيق المصالح، فالمصالح -في نظره- غاية التشريع وأساس العلة التي يرتبط بها كل حكم شرعي، فإذا زال هذا الأساس أو تغيَّرت تلك الغاية معها الحكم الشرعي. ولذا نجده يعيب على المسلمين المحافظين على دينهم احتياطهم في الأخذ بالمصالح، وقيامهم بربطها بالنصوص الشرعية مما يؤدي -في نظره- إلى إلغاء دورها بوصفها مصدراً مستقلاً من مصادر الأحكام (2) .

رَبْط الأحكام الشرعية بأسباب نزولها، ونَسْف قاعدة (أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) ، فنراه يقول:"والنصوص في تطبيقها على الوقائع لابد أن يُحدد معناها لغة واصطلاحاً، وأن يُعرف سبب نزولها وظروف تطبيقها، إذ هي لا تنفك عن ذلك كله أبداً. ومهما قال الأصوليون من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فهذا أيضاً لا يؤخذ بغير مناقشة، فكم فعلٍ للنبي r -وأفعال صلى الله عليه وسلم نوع من السنن- جاء مرتبطاً بإطار موضوعي معين معالجاً لظروف قائمة وثابتة وعارضة، ومن هنا لا يستغني مجتهد عن معرفة ذلك كله والتأمل فيه" (3) . ويقول أيضاً متحدثاً عن تغير الأحكام بتغير الزمان:"هذا أدق أبواب الاجتهاد وأصعبها وأقربها إلى مواطئ الزلل، والحجة الرئيسية التي يثيرها الرافضون لهذا الباب جملة أنه لا نسخ في الأحكام بعد انقطاع الوحي بانتقال صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وأن التغيير -بعد عهد النبوة- لا يمكن إلا أن يكون تغييراً في الفتيا أو القضاء أي في الاجتهاد، والواقع أن الفارق بين الأمرين لا يظهر إلا حيث يكون في الأمر نص قرآني أو نبوي لا يحتمل التأويل، ولكن تقوم القرينة على ارتباطه بواقعه معينة هي سبب نزوله ووروده، فينفتح الباب عندئذ لمناقشة مدى الارتباط بين الحكم وسبب نزوله. ومن هذا الباب أيضاً ما نجده أحياناً من قول بعض المجتهدين عن حكم معين: إن ذلك كان والناس حديثو عهد بشرك أو جاهلية، بمعنى أنه إذا تباعد الزمن واستقر الإيمان وزالت مخاوف الشرك الجلي لم يعد للاحتياط الذي جاء به النص ضرورة ولا لزوم" (4) . ويضرب على ذلك مثالاً، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم"خالفوا المشركين وَفّروا اللحى واحفوا الشوارب" (5) ، حيث يرى أن الحكم الشرعي المستفاد من هذا الحديث، وهو: وجوب إعفاء اللحى وحف الشوارب إنما هو تشريع زمني روعي فيه زي المشركين وقت نزول الوحي على صلى الله عليه وسلم وقُصد فيه مخالفتهم في هذا الزي! وأزياء الناس لا استقرار لها (6) .

(1) … المرجع السابق ص 18.

(2) … انظر: المرجع السابق ص 47.

(3) … مقال (مواجهة مع عناصر الجمود) ص 19.

(4) … حوار لا مواجهة ص 46.

(5) … متفق عليه.

(6) … انظر: حوار لا مواجهة ص 47.

تقسيم السنة إلى سنة تشريعية وغير تشريعية، وذلك بالاعتماد على مبدأ التمييز بين بشرية الرسو صلى الله عليه وسلم ونبوته، في هذا يقول أبو المجد:"و صلى الله عليه وسلم بشهادة القرآن وحكمه الذي لا يرده كلام فلاسفة ولا متكلمين"بشر مثلنا يوحى إليه"، والوحي إلي صلى الله عليه وسلم هو جميع القرآن وبعض ما صدر عن صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، وليس كل ما صدر عنه من هذه الأحوال الثلاثة وحياً يوحى، فهذا أيضاً باطل بالعقل وباطل بالنقل، فبشريت صلى الله عليه وسلم حاضرة في سيرته حضور نبوته، وهو باطل بالنقل لقوله صلى الله عليه وسلم"إنما أنا بشر مثلكم، فإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر" (1) ، وهو الحديث الذي تقول فيه رواية مسلم:"أنتم أعلم بشؤون دنياكم" (2) ، ومن الحق والإنصاف لعلماء الإسلام أن نُذكِّر كثيراً من الناسين أنهم فَرَّقوا -بعبارات مختلفة- بين ما هو تشريع من أقوال الرسو صلى الله عليه وسلم وأفعاله وما هو دون ذلك، ذاهبين تارة إلى التفريق بين ما هو من العادات وما هو من العبادات، وذاهبين تارة أخرى إلى بيان ما فعل صلى الله عليه وسلم اجتهاداً منه تحقيقاً لمصلحة جزئية يومئذ وليس من الأمور اللازمة لجميع الأمة" (3) . ويقول أيضاً -محدداً المسائل التي ينبغي ضبطها عند التفريق بين التجديد في الإسلام والانفلات منه-:"الثانية: تحديد ما يُعد تشريعاً وما لا يُعد تشريعاً من أقوال صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وأساس الحاجة إلى هذا التحديد ما قررناه وأجمع عليه المسلمون وشهد له القرآن الكريم من أن صلى الله عليه وسلم بشر يوحى إليه، وأن بشريته حاضرة في حياته حضور نبوته، وأن كثيراً من أقواله وأفعاله قد صدرت عنه بحكم تلك البشرية دون أن يكون المقصود منها التشريع وتقرير الأحكام الملزمة للناس من بعده" (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت