يقول محمد عمارة مؤكدًا هذا:"لقاؤنا -أي هو والبشري- بدأ كما قلت قبل ثلاثة عقود تقريباً من مرحلة السبعينات، وكان لنا لقاء فكري نجتمع خلاله في بيوتنا. وكان محرك هذا اللقاء وهذه الجماعة الفكرية هو عادل حسين. حتى إن البعض أطلق عليه لقبه أمير الجماعة الذي يجمع الجماعة وينظم الاجتماعات. وسرنا في هذه المرحلة ونحن نعاني معاناة شديدة؛ لأننا كنا آنذاك نناقش هموم هذه الأمة التي تناوشها تحديات من الداخل والخارج. وكانت مرحلة من الإنضاج ومن التطور الفكري ومن التحولات في الرؤى والأفكار. أتصور أنه عندما يُكتب سيشار إليها وإلى أبعادها حتى خارج مصر؛ لأن هذا التجمع صار يمثل تيارًا فكرياً تجديدياً. وبالمناسبة: أطلق علينا الماركسيون نحن الثلاثة لقب"التراثيون الجدد"، ولو أنصفوا لقالوا: التراثيون المجددون وليس التراثيون الجدد" (4) .
-من يتأمل كتابات طارق البشري يجد أن كثيراً منها يبحث في المسائل التاريخية للحركة السياسية المصرية من وطنية وقومية وإسلامية، وقلة منها التي تبحث في قضايا الشريعة، والذي يظهر لي أن البشري قد اكتفى في هذا بكتابات واجتهادات من يثق بهم من الشيوخ المتنورين الذين لهم باع طويل في العلم الشرعي يجعلهم أقدر منه على طرق تلك القضايا. فهو يذكرني بصنيع صاحبه فهمي هويدي الذي هو مجرد تابع لشيخه الغزالي والقرضاوي. والبشري مثله في هذا الأمر حيث يكتفي عند طرق قضية شرعية ما بالنقل عن شيوخه الذين يعظم أقوالهم وعلى رأسهم الغزالي والقرضاوي، دون أن يكون له رأي مستقل واضح.
يقول البشري عند الحديث عن اجتهادات علماء المسلمين في المسائل الشائكة؛ كمسائل أهل الذمة وغيرها:
"لنا أن نشير هنا إلى الجهود الفقهية الكبيرة التي قام بها مفكرون وفقهاء مصريون خلال السنوات الماضية؛ ومنها جهود الشيخ القرضاوي والشيخ الغزالي والدكتور فتحي عثمان والأستاذ فهمي هويدي والدكتور محمد سليم العوا" (5) وجميع هؤلاء على مشربة -كما هو معلوم-.
ويقول الدكتور إبراهيم البيومي غانم:
"صاحب الأثر في أستاذنا طارق البشري هو الشيخ محمد الغزالي"فكان يقول عنه"هذا شيخي وشيخنا" (6) .
قلت: ولهذا رثاه بمقال نشره في مجلة"المسلم المعاصر" (العدد 81) تحت عنوان"الراحلون إلينا"ووصفه بأنه شيخه.
انحرافاته:
لهذا كله فقد جاءت انحرافات البشري تبعاً لانحرافات شيوخه العصرانيين في القضايا المشهورة التي كان لهم فيها اجتهادات شاذة .
فعلى سبيل المثال:
1-ينقل البشري عن شيخه الغزالي قوله في قضية أهل الذمة:"قد أجمع فقهاء الإسلام على أن قاعدة المعاملة بين المسلمين ومسالميهم من اليهود والنصارى تقوم على مبدأ (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) " (7) !!
وهذه من أكاذيب الغزالي! فليس هناك إجماع ولا هم يحزنون، وقد سبق عند الرد على فهمي هويدي بيان بطلان هذا المبدأ الضال.
2-وينقل عنه -أيضاً- ناقضاً مبدأ الولاء والبراء ومحرفاً للأدلة الشرعية الواردة فيه:"إن الآيات التي وردت بالقرآن الكريم تمنع اتخاذ المؤمنين لليهود أو النصارى أو الكافرين أولياء إنما وردت جميعاً في المعتدين على الإسلام والمحاربين لأهله.." (8)
(1) … العلمانية والممانعة الإسلامية، علي العميم، ص 164.
(2) … الحصاد المر، ص 176.
(3) … أقنعة الإرهاب، ص 66.
(4) … طارق البشري، القاضي المفكر، ص 39.
(5) … السابق، ص 70.
(6) … السابق، ص 86.
(7) … بين الجامعة الدينية والجامعة الوطنية، ص 29.
(8) … السابق، ص 28.
ثم يؤكد هذا بقوله:"إن مبدأ المساواة القانونية والتواد الاجتماعي مقرر، تسبغ به صفة المواطنة على غير المسلمين" (1) .
-بل يزيد:"إن غير المسلم يستطيع تولي كل الوزارات، ويستطيع تولي القضاء، بل ويستطيع تولي رئاسة الجمهورية" (2) !
ويكتب بحثاً بعنوان"أحكام الولاية العامة لغير المسلمين" (3) يورد فيه الشبهات التي يراها تؤيد رأيه الشاذ هذا. ملخصها كما يقول:"لقد غدت الغلبة العددية للمسلمين في بلادهم، ولم يعد ثمة موجب للخشية على إسلام المسلم من مساهمة غير المسلمين مع المسلمين في الشؤن العامة"!!
وكأن المانع من توليتهم هو الخوف على إسلام المسلمين، وليس اتباع النصوص الشرعية التي تحذر من هذا الأمر الشنيع الذي يعلم الله ضرره على دولة الإسلام. ولهذا أكد هذا التحذير في آيات كثيرة؛ يأتي في مقدمتها قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً…) الآية. قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيرها:"أي من غيركم من أهل الأديان"وقال -بعد أن ذكر أثر عمر في عدم توليتهم الكتابة-:"ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين واطلاع على دواخل أمورهم التي يُخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب".