فهرس الكتاب

الصفحة 20823 من 27364

هناك نوع من القسوة في الحكم على معاوية مع أنه صحابي ومن كتاب الرسو صلى الله عليه وسلم فقد ذكرت المسرحية أنه عطل أصلاً من القرآن وزيف قاعدة الشورى وأهدر أحكام السنة إلى غير ذلك من التهم الشديدة.

جاء على لسان الحسين رضي الله عنه وأرضاه أنه ذهب حينما اشتدت المحنة إلى قبر الرسول عليه الصلاة والسلام وقال يخاطب النبي: جدي، أنا لا أعرف ما أصنع فأعني"والحسين خير من يعرف أن العون إنما يلتمس من الله تبارك وتعالى، وجد الحسين هو نفسه القائل: إذا استعنت فاستعن بالله. فضلاً عن أن الواقعة لا نصيب لها من الصحة."

ذكرت المسرحية أن (يزيد) قد فرح بمقتل الحسين رضوان الله عليه وهذا يخالف الواقع؛ لأن التاريخ يذكر أن يزيد قد توجس شراً من قتل الحسين وأنه بكى حين رأى رأسه، ولسنا ندري لمصلحة من يظهر يزيد وهو حاكم المسلمين على أقل تقدير في مظهر حقير مثير لو كان أمراً واقعاً لما كان من الحكمة إبرازه.

فقد قدمته المسرحية عقب مقتل الحسين شخصاً يبدو مخموراً والجواري يمتطين ظهره وينخسنه فيسير بهن كالحمار، والتاريخ يذكر فيما يذكر أن يزيد كان متهماً بالانحراف عن الآداب الدينية قبل المبايعة له فلما تولى الحكم انصرف عن هذا الانحراف أو على الأقل لم يجاهر بمثل ما كان يجاهر به من قبل (1) .

أن المسرحية مع الأسف كأنها تحرص على تصوير المجتمع الإسلامي بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام بنصف قرن فقط في صورة بشعة وكأن هذا المجتمع قد تداعى وتهاوى، وصار مجتمع عربدة وفجور ومجتمع شقاق ونفاق ومجتمع جبن وضعف، ومجتمع خيانة نكث للعهود، مع أن المجتمع كان لا يزال فيه عدد كبير من صحابة رسول ا صلى الله عليه وسلم وفيه عدد ضخم من التابعين لهم بإحسان.

تردد في المسرحية أكثر من مرة التعريض بنظام الجواري حيث تناول الأشخاص عبارات الاتهام والتمتع بالجواري، على سبيل التعريض والتهكم مثل هذه العبارات (ما تجيد سوى مصاحبة الجواري) ، (تمتع بجواريك الأبكار الخرد) ، (سوق الإماء) .

تناثرت عبارات مأخوذة من جو غير إسلامي مثل هذه العبارات (ماجئت لألقي سيفاً) (جئت لألقى موعظة) (لأملأ كل بيت بالمحبة، جموع الفقراء) (يا مطفئ نور الحضارة) .

اختير لون السواد لطائفة من الممثلين والممثلات وهذا السواد شعار طائفي مذهبي خاص (2) ، فهل من المصلحة إثارة مثل هذه الطائفية، وكذا بدأ من قام بدور الحسين في ثياب تشعر بأنها إيحاء بشخصية غير إسلامية وإن كانت شخصية لها مكانها في نظر المسلم.

وكان هناك في نص المسرحية نواح وندب وتعديد، وقد طال هذا وامتد فما مدى اتفاق ذلك مع تعاليم الدين ؟!

كذلك جاء على لسان الأشخاص من أتباع الحسين رضي الله عنه ما يفيد أن قتال المعارضين للحسين خير من قتال المشركين فهل يحكم على عقائد الناس بمثل هذه السهولة ؟!

مآخذ على كتابات الشرقاوي: (حول الإمام علي)

أولاً: إن مصادر الكتابة عن الإمام علي ومنهج البحث في سيرة الصحابة تختلف عن المصادر ومنهج البحث في التاريخ العام، وهو لم يلتزم بهذا المنهج بل عمد لكتب التاريخ وغير كتب التاريخ فاستقى منها مادته وأخباره، فرجع إلى كتاب (الأغاني) وهو مرجع لمؤرخي الأدب في العصر العباسي يجمع أخبار الشعراء والأدباء والمغنين والمغنيات ومجالس الشراب والطرب، فإذا وجدت فيه معلومة عن صحابي أو تابعي فيجب الوقوف أمامها طويلاً، للبحث عما إذا كانت قد وردت في مصدر تاريخي أصيل مما تتكفل به أصول البحث العلمي، ومصطلح علم الحديث وأصول الرواية في معرفة حال الرواة وصحة المتن وطريق التحمل ولكن الشرقاوي سرى بين المصادر القديمة لقدمها ولم يفرق بينها ومن هنا وقع اللبس.

ومن مصادر الشرقاوي (الطبري) والطبري لا يشك أحد في صدقه ولكنه اعترف في كتابه أن الكتاب لا يخلو من الوقائع المكذوبة والأخبار المنحولة، فلما هوجم الشرقاوي في هذا دافع عن مصدره وأهمل هذا التحذير الخطير الذي سجله الطبري في صدر كتابه.

وهكذا فإن المصادر التي رجع إليها الشرقاوي لم تكن كلها كفئا للموضوع فوقع في ورطة لم تستجب لنصح الناصحين فيها.

ثانياً: تناول أشخاصاً لهم بلاء وغناء وسبق إلى الإسلام والجهاد في سبيل الله ووصفهم بما لا يليق بأمثالهم، فهم تلاميذ صلى الله عليه وسلم والشوامخ الذين هاجروا في الله بعد ما فتنوا وهاجروا وصبروا وقد قدم لنا الإمام علي في عماية فتنة وإعصار محنة، وقديماً قرر الفقهاء والعلماء والسلف الصالحون ممن أدركوا الفتنة وجاءوا بعدها الإمساك عن الخوض فيها، فإن الصحابة كلهم عدول بتعديل الله لهم ولكل منهم وجهة نظر واجتهاد، والمخطئ فيه له أجر والمصيب له أجران.

(1) … يحسن بالقارئ الرجوع إلى مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- (4/381-488) حيث قال كلمة الفصل في يزيد بن معاوية وأثبت كذب كثير مما يُنقل عنه . (س)

(2) … أي أنه شعار الرافضة -قبحهم الله- (س) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت