فهرس الكتاب
وهناك قضية وهب لها الشرقاري فكره ونشاطه ويريد أن يجر الإسلام إليها جراً دون هوادة، هل للمسلم أن يدخر أو يكنز بعد أن يؤدي الحق المقرر عليه في ماله، أم يجب ألا يمسك عنده شيئاً فوق حاجته، وهو يؤكد أنه لا يجوز استبقاء شيء لصاحبه فوق نفقته العادية، إن هذا هو ميل إلى نظرية كارل ماركس (لكل حسب حاجته) ولكنه يصور الرأي الذي ارتآه على أنه من الكتاب والسنة، وهو يحاول أن يجعل علي بن أبي طالب ضد رأس المال مهما أدى ما عليه من حقوق وهو يحاول أن يجعل عثمان كأحد الباشوات أو اللوردات الذين يشبعون شهواتهم ويرهبون المجتمع بفضول أموالهم، ومن المقرر أن كتابات عبد الرحمن الشرقاوي لا تحكي تاريخاً إسلامياً، فهو يساري يريد أن يجعل الإسلام وتاريخه مصبوغين باللون الأحمر والتفكير المادي، ويسوق الحوادث سوقاً لخدمة هذا الغرض.
فهل صحيح أن الصراع بين التوحيد والوثنية كان صراعاً طبقياً كما يقول الأغنياء يدافعون عن وجودهم والفقراء عن حقهم في الحياة الكريمة وعن أحلامهم في عالم أفضل؟ أي أحلام هذه؟ وهل صحيح أن موسم الحج كان"يستثمر هؤلاء الأغنياء أموالهم في البيع والشراء والربا فيربحون ويربحون، وهذه الأصنام هي التي تمنحهم كل سلطاتهم على الأجراء والمعدومين والعبيد وأبناء السبيل، وواجه محمد هذا كله بأن الأصنام ضلال مبين فهو يلعن الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله… هكذا يقول الشرقاوي في تصوير الرسالة الإسلامية: صراع بين الغنى والفقر لا وجود له إلا في دماغ المؤلف."
وآية عدم اكتناز الذهب والفضة نزلت بعد اثنتين وعشرين سنة من بدء الرسالة ولا صلة لها بعبادة الأصنام أو الحرب التي شنها الإسلام على الوثنية من أول يوم.
حتى الهجرة إلى المدينة جعل لها الشرقاوي أسباباً اقتصادية، فإن المرابين في المدينة كان ضغطهم أقل، والهوان الذي يتعرض له المدنيون كان أخف، تأمل قوله: هنا مجتمع آخر أكثر تقدماً من مجتمع مكة، هنا علاقات اجتماعية أخرى أكثر قابلية لتعاليم محمد، فالمرابي اليهودي لم يكن قادراً على استعباد المدين العربي إذا عجز عن الوفاء كما كان يحدث في مكة، ولم يكن له الحق في أخذ امرأة المدين أو ابنته لإكراههما على البغاء كما كانت تفعل قريش، وأجير الأرض في المدينة أعلى درجة من عبيد مكة الذين كانوا يحرسون القوافل والمصارف الخ.
ليس في هذا الكلام كله ذرة من صدق والقول بأن العرب كانوا يسترقون المدين المعسر، ويستوفون ديونهم من استرقاق امرأته وابنته وإرغامهما على الزنى، كلام مكذوب، ما كان شائعاً لا في مكة ولا في المدينة وبالتالي فلا صلة للهجرة بهذه الأوضاع المختلفة.
إن هذا الكلام ليس تشويه تاريخ، بل هو تزوير تاريخ، أو كما يقال في مصر (سمك، لبن، تمر هندي) وليس في القرآن ولا في السنة المطهرة ولا في السير المؤلفة عن صاحب الرسالة ما يترك مثل هذا الانطباع الغريب عن الجو الذي بدأت منه (تعاليم محمد) كما يصف عبد الرحمن الشرقاوي الإسلام ونبيه وما نزل عليه من وحي وما تمحض عنه من حضارة.
أخطاء عبد الرحمن الشرقاوي
في كتابه السيرة والتاريخ
في كل كتاباته الإسلامية يظهر الغرض المبيت المدفون واضحاً:
(محمد رسول الحرية -مسرحية الحسين ثائراً- كتاباته عن الإمام علي) إن درجة الوعي الإسلامي الآن في فهم تيارات التغريب قد أصبحت عالية وما نعتقد أنها يمكن أن تخدع، وهذه الأسماء معروفة الهوية ولذلك فهي لا تستطيع أن تكسب ثقة قارئ واحد من المؤمنين باليقظة الإسلامية، ولعل هذا هو ما يزعج هؤلاء ومن ورائهم، إن خطط التغريب والغزو الثقافي قد كشفت تماماً فمهما حاولوا تغيير جلودهم ومهما خلطوا أوراقهم ومهما نشرت لهم الصحف الكبرى ومهما حالت بين مفترياتهم وبين تصحيحها، فلييأس هؤلاء تماماً وسيرتد الكيد إلى نحور أهله.
إنها محاولة لتحطيم الصحوة وللقضاء على الأصالة ولطرح مزيد من الشبهات والشكوك والسموم على الطريق الذي أصبح صالحاً ليسلك عليه المسلمون إلى إقامة المجتمع الرباني، إنها محاولات يائسة لإفساد الفكر ولتزييف التاريخ ولهدم القيم تحت أسماء إسلامية، ومن خلال صحف محتواه للتغريب والغزو الفكري.
في روايته الحسين شهيداً كان حريصاً على أن يصور المجتمع الإسلامي بعد أن اختار الرسول الرفيق الأعلى بنصف قرن في صورة بشعة، وكأن هذا المجتمع قد تداعى وتهاوى وصار مجتمع عربدة وفجور، ومجتمع شقاق ونفاق ومجتمع جبن وضعف خيانة ونكث للعود، مع أن المجتمع كان لا يزال يدخر بعدد كثير من صحابة رسول ا صلى الله عليه وسلم وفيه عدد ضخم من التابعين لهم بإحسان (وهذه متابعة لخطة طه حسين) التي جرى عليها في الهجوم على الصحابة وأتباعهم.
أما في دراسة عن الإمام علي فقد اعتمد على مراجع معنية أغلبها مشكوك في صحتها وفي مقدمتها الأغاني، وفي هذا تابع أهواء الدكتور طه وخطته حتى ليخيل إلي أنه امتداد حقيقي وتجديد استشراقي تغريبي لأفكار طه حسين المسمومة التي بثها في كتابه الفتنة الكبرى وعلي بنوه في الأربعينات يجددها الشرقاوي في الثمانينات.