فهرس الكتاب
وقال الدكتور أحمد إبراهيم خضر في مقال له بعنوان: (أبعاد التخريب العلماني: محمد أركون أنموذجاً) نشره في مجلة البيان (عدد123) :
"بالأمس طلب خالد بن عبد الله القسري، أمير العراق الجعد بن درهم حتى ظفر به، فخطب بالناس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قاله في خطبته: أيها الناس ضحوا، تقبّل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً ثم نزل فذبحه في أصل المنبر، فكان ضحية، ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رُمي بها (2) "
واليوم.. المرعى الإسلامي غداً بابه مفتوحاً لكل (عرجاء) و (عوراء) لا يجزئ لحمها في الأضحية (3)
إنهم أهل التخريب العقدي، يحاربون الإسلام من داخله بإثارة شكوك المسلمين بما يؤمنون به، يهدفون عبر زعزعة الترابط العقدي تفكيك المجتمع الإسلامي برمته (4) يصفون أنفسهم بأنهم علماء مجتهدون متفرغون لتطوير المعرفة (5) ولا تخرج مقولاتهم عند كونها لوناً من ألوان (الرقاعة الثقافية) (6) يميزون أنفسهم عن المسلمين الآخرين (المقلدين) ، أما هم فإنهم باحثون تحرروا مما أطلقوا عليه (المعارف الخاطئة) التي تعارف عليها كل المسلمين عن الإسلام، يدعون إلى العقلانية ويطالبون باتساع العقل وحرية البحث حتى في القضايا الدينية الحساسة التي ترتبط بما هو مقدس ولا يمس (كالوحي والقرآن والسنة) ، يشجعون الإبداع الفكري الذي يصل عندهم إلى حد القول بأن الاعتقاد بأن الشريعة ذات أصل إلهي (وهم كبير) (7) ومع كل هذا الانحراف والضلال يطالبون الآخرين بالتسامح معهم والإقبال على مناظرتهم، وعدم الخلط بين العرض العلمي للقضايا ومواقف العوام، والتقيد بما يفرضه البرهان العقلي، يتهمون ما يسمى (بالخطاب الإسلامي) بأن خطاب ملئ بالنقائض والرذائل والثالب، يحمّل المفكرين (أمثالهم) ما لم يفكروا فيه،وما لم يدّعوه، وما لم ينطقوا به (8)
ماذا يريدون بالضبط؟
همهم الأول القضاء على الإيمان العقدي ومحوه من الأفق البشري: حتى لا يبقى هناك إلا الأفق الاجتماعي، يريدون منا أن ندخل تجربة الغرب التاريخية التي خاضها منذ أكثر من قرنين فتخلص من الأفق الديني القروسطي (نسبة إلى القرون الوسطى) .
(1) … رضوان السيد ، الإسلام المعاصر، ص 190.
(2) … الجعد بن درهم مبتدع ضال قال بخلق القرآن وكان مؤدب مراون بن محمد قتله خالد بن عبد الله القسري سنة 118هـ يوم النحر، انظر ابن قيم الجوزية الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة تحقيق د.علي بن محمد الدخيل الله ج3 دار العاصمة الرياض 1412هـ حتى 1071.
(3) … سليمان بن صالح الخراشي، محمد عمارة في ميزان أهل السنة والجماعة دار الجواب الرياض 1413هـ-1993م ص 9.
(4) … أمين أبو عز الدين (نقلاً عن محمد وقيع الله أحمد) الدين والعلمنة في طروحات محمد أركون، الآداب عدد 5، مايو 1993م ص 29.
(5) … محمد أركون، أين هو الفكر الإسلامي المعاصر، ترجمه هاشم صالح، دار الساقي ص 7.
(6) … (الرقاعة الثقافية) تعبير استخدمه الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه قصة أبو زيد وانحسار العلمانية في جامعة القاهرة، الدار الذهبية، القاهرة ص 13.
(7) … أمين أبو عز الدين مرجع سابق ص 24.
(8) … محمد أركون مرجع سابق ص 3
لا يجهلون الإسلام وإنما يصرون على تحليله في ضوء النصرانية الكنسية والقرون الوسطى التي ارتبطت في أذهان الغرب بالتصور المظلم والمرعب عن الدين، أفقهم المعرفي لا يخرج عن حدود الفكر الغربي والثقافة الأوروبية، يتزلفون للغربيين حتى القسس منهم على حساب دينهم، ولهذا يضيقون ذرعاً بمطالبة الإسلاميين بخصوصية إسلامية وأصالة عقلية وعلمية مطلقة جعلتهم في غنى عما أبدعته انحرافات الفكر الغربي والبحث العلمي خارج دائرة المعارف الإسلامية المتأصلة في القرآن والمنطلقة منه، فراحوا يتصورون أن الإسلاميين كآباء الكنيسة يقتلون في الإنسان حس المبادرة والحركة ويدعون إلى الاستكانة والاستسلام ورفض الانخراط في العالم (1) .
أهل السنة والجماعة في نظر أهل التخريب العقدي (أورثوذكسيون)
لأنهم يجمعون على عقيدة إسلامية صحيحة ومستقيمة، ويبرزون معايير التفرقة بينها وبين البدع والاعتقادات الطارئة المنحرفة عن الإسلام (والأورثوذكسية) أصلاً مصطلح غربي نقله أهل التخريب إلى العربية ولا يربطونه بالمذهب الأورثوذكسي في النصرانية، لأنه مصطلح سابق على ظهور هذا المذهب، لا يروق لهم المعنى الحرفي للكلمة (وهو الطريق المستقيم أو الطريق الصحيح) إنما يأخذون معناها الاصطلاحي وهو (النواة العقائدية الصلبة والمغلقة على ذاتها لدين ما، أو لإيديولوجية ما ، أو اتجاه سياسي ما، والتي ترفض كل ما يقع خارجها باعتبار أنه ضلال وهرطقة ) .