فهرس الكتاب
يقول أهل التخريب إنهم لم يستطيعوا ترجمة مفهوم (الأورثوذكسية) بكل أبعاده الأيديولوجية بالسنة؛ لأن أهل السنة والجماعة قد احتكروا المفهوم لصالحهم وعدلوا به عن معناه في القرآن (2) ، ولم يعط أهل التخريب العقدي دليلاً واحداً مقنعاً يبين صحة تأويلاتهم الفاسدة الخارجة أصلاً عن حدود القرآن والسنة.
وحتى لا يتهم أهل التخريب العقدي بالكفر، سارعوا إلى وضع مفهوم جديد للإيمان والكفر فهموا من الإمام الغزالي أن الكفر هو تكذيب الرسو صلى الله عليه وسلم في شيء مما جاء به، والإيمان هو تصديقه في جميع ما جاء به، فاليهودي والنصراني كافران لتكذيبهما الرسو صلى الله عليه وسلم والبراهمي كافر بالطريقة الأولى لأنه أنكر مع رسولنا سائر المرسلين.
هذا الذي يتبنى مفهوم الغزالي عن الكفر ويطبقه على (العلماء المجتهدين) أمثالهم رجل مقلد بلغ درجة من العمي والتعصب في أحكامه؛ لأن الإيمان والكفر في فلسفة أهل التخريب العقدي مرتبطان بالبحوث النفسانية واللغوية عن تكوين البنية الشخصية والجماعية التي ينشأ فيها كل فرد. ولم يكتف أهل التخريب العقدي بذلك بل ألقوا مسائل الحلال والحرام والمقدس والقصص الديني في أحضان العلوم الحديثة (علوم الإنسان والمجتمع) (3) التي تعطي لها تفسيراً خاصاً يخرج بها كلية عن ارتباطاتها العقدية. ومن المسلّم به في العلوم الاجتماعية أن نظرياتها التقليدية ترى أن الأفكار الدينية زيف ووهم، أما نظرياتها الحديثة فتتجنب مسألة حقيقة الدين، لكنها تغذي هذه التحليلات التي تحقر من أي رؤية جدية للأفكار الدينية وتنظر إليها على أنها غير حقيقية (4)
موقفهم من خاصية ثبات الأصول:
واجهت أهل التخريب العقدي مشكلة النظرة العقلية المستمرة والمتكررة التي ترى وجود إسلام صحيح يتطابق مع مفهوم الدين الحق لمكافحة البدع والرد على أهل الأهواء والنحل، وإبطال الملل الضالة المضلة، وإبعاد أو إخضاع جميع المنحرفين عن الصراط المستقيم والحق المبين فقالوا إن الإجماع بأن هناك إسلاماً جوهرياً لا يقبل التغير ولا يخضع (للتاريخانية) (5) هو كالأقنوم الإلهي يؤثر في الأذهان والمجتمعات ولا يتأثر بها ليس إلا تحجراً عقلياً وتطرفاً وتعصباً وإرهاباً، ودعوا إلى العدول عن هذه النظرة التقليدية والإقرار بضرورة التعددية العقائدية، ويسوّغون دعواهم الضالة والمضلة بأن النصوص القرآنية قد ألهمت ولا تزال تلهم (تأويلات) بتغير الزمان والمكان (6) .
(1) … المرجع السابق ص 30، 66، ص 8.
(2) … المرجع السابق ص 16، 19.
(3) … المرجع السابق ص 5،7،6.
(4) … انظر: الأساس الإلحادي للنظريات المعاصرة في علم الاجتماع في كتابنا: علماء الاجتماع وموقفهم من الإسلام، المنتدى الإسلامي، لندن، 1413هـ -1993، ص 177-193
(5) … التاريخانية مصطلح طبقة أهل التخريب العقدي على الإسلام ويعنون به فهم الإسلام في حدود الحقبة الزمنية التي ظهر فيها وفي ضوء البيئة الاجتماعية والثقافية التي عمل عبرها مع التأكيد على نسبية وعدم اتساع قواعده ومفاهيمه لتطبق على حقب زمنية لاحقة.
(6) … محمد أركون مرجع سابق ص 4-17.
يؤمن أهل السنة والجماعة بأن التأويل الذي دلت عليه النصوص وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح، والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وما جاءت به هو التأويل الفاسد، وكل تأويل وافق ما جاء به الرسو صلى الله عليه وسلم فهو المقبول وما خالفه فهو المردود، لكن أهل التخريب العقدي بعد أن طرحوا بعيداً ربط الكفر بتكذيب الرسو صلى الله عليه وسلم ردوا السنة برمتها إلى دائرة (البحث التاريخي) (1) وسعوا إلى إعادة قراءة النصوص الدينية تلك التي أسموها بالنصوص التأسيسية أو النص الأول (القرآن) والنصوص الثانية (السنة وغيرها) في ضوء العلوم الحديثة.
والتأويل عند أهل التخريب العقدي لا يخرج عما يقوله عنهم (ابن القيم) من أنه (استخراج معاني النصوص وصرفها عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات ومستنكر التأويلات، فأدى بهم هذا الظن الفاسد إلى نبذ الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وراء ظهورهم، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف والكذب عليهم وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف.(والتأويل) إذا تضمن تكذيب الرسو صلى الله عليه وسلم فحسبه ذلك بطلاناً) وتأويلات أهل التخريب العقدي من هذا الطراز (2) .
القطعية المعرفية ماذا تعني؟
خرج علينا أهل التخريب العقدي بمصطلح جديد أسموه (القطعية المعرفية) ومن المعروف عنهم أنهم لا يأتون بجديد، وإنما يستخرجون أفكارهم بعد أن يدخلوا جحر كل ضب دخله قبلهم المفكرون الغربيون ثم يلوكون هذه الأفكار ويطبقونها على الإسلام.