فهرس الكتاب
ومصطلح (القطعية المعرفية) طرحه أصلاً المفكر الإيطالي (فيكو) وكتب فيه الأمريكي (توماس كون) وعالم الرضيات الفرنسي (رينيه توم) تناول كل هؤلاء مسألة القطعية في تاريخ العلوم وكيفية تفسيرها متى تحدث القطعية في فكر ما؟ ما هي الشروط الموضوعية التي ينبغي توافرها لكي تحصل القطعية؟ أي: لكي يتوقف الناس فجأة عن التفكير بالطريقة التي كانوا يفكرون بها سابقاً منذ مئات السنين ولأن الحقد والغل يملأ قلوب أهل التخريب العقدي على الإسلام طبقوا هذا المفهوم على الإسلام، فدعوا إلى التوقف عن التفكير في الإسلام بالطريقة التي يؤمن بها الناس حالياً والتفكير فيه بطريقتهم التدميرية.
ويدعونا أهل التخريب العقدي إلى أن ندرك معنى القطعية المعرفية، أي أن نتخلى عن معارفنا التقليدية عن الإسلام التي يصفونها بأنها معارف (خاطئة أسطورية ذات معاني خيالية) وأن نفكر بالطريقة التي فكر بها الأوروبيون منذ القرن السادس عشر فنغير مثلهم نظرة العقل إلى المعرفة وطرق إدراكه للواقع وتعبيره عن تأويلاته لهذا الواقع.
هل نحن بحاجة إلى الفلسفة؟
وعبر إصرارهم المستميت على تخريب عقيدة الإسلام يزرعون الألغام الواحد تلو الآخر فتجدهم يدعون إلى الانفصال بين الحكمة والشريعة ويفسرون الحكمة بأنها (الفكر العلمي) ويسمون الشريعة (بالظاهرة الدينية) (3) مع أن الحكمة تعني العلم والفقه والمعرفة بالقرآن وخشية الله والفهم والبصر والعقل، كما جاء ذلك عن ابن عباس ومجاهد وابن مسعود وزيد بن أسلم وذلك في تفسير قوله تعالى (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولو الألباب) [البقرة: 269] وقوله تعالى (ولقد آتينا لقمان الحكمة) [لقمان: 12] (4) وتارة أخرى ينظرون إلى الحق على أنه خاضع (للتاريخانية) بمعنى أن وجوده ومظاهره تتغير بتغير نظرة العقل إليه كما يتغير العقل بدوره بتغير النتائج ووجوه الحق التي يستبينها ويتعقلها، كما يتبنون وظيفة الفلسفة لتسويغ الموجودات والأحكام إلى العقل في كل الممارسات والمعالجات بما في ذلك إثارة مسائل وقضايا ومواقف معرفية ما كان التفكير فيها ممكناً بل كان مستحيلاً، ولذلك تجدهم يرجعون انتشار المدّ الإسلامي إلى غياب الفلسفة إلا في غيبة نور الوحي الإلهي، أو في حالة خفوته أو في حالة جهل الناس بحقيقتها وجهلهم بالمنهج النبوي على وجهه الصحيح، وتملك الفلسفة القدرة على التلبيس بما تملكه من أدوات فهي تتزين بزي العقل حيناً وبزي العلم حيناً آخر، وتملأ الفراغ المخيف الذي تتركه غيبة الهداية الإلهية عن العقول (5) .
وبينما اشتهر أهل التخريب العقدي في مصر وسوريا باستخدام مصطلحات (نقد الخطاب الديني) و (نقد الفكر الديني) ، استخدم نظراؤهم المستوطنون في دول الغرب مصطلح: (نقد العقل الإسلامي) .
(1) … انظر التاريخانية .
(2) … ابن القيم (بتصرف) مرجع سابق ج1، ص 163، 187، 192.
(3) … محمد أركون مرجع سابق ص 4،7،11.
(4) … محمد رشاد خليل، الفلسفة وأثرها في أصول الدين، مجلة كلية أصول الدين جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عدد 5، 1403-1404هـ ص 259.
(5) … المرجع السابق ص 260
يُعَرّف أهل التخريب العقدي (العقل الإسلامي) بأنه هذا العقل المتقيد بالوحي أو المعطى المنزل ويقر بأولوية المعطى لأنه إلهي وأن دور العقل ينحصر في خدمة الوحي أي فهم وتفهيم ما ورد فيه من أحكام وتعاليم وإرشاد، ثم الاستنتاج والاستنباط منه، فالعقل تابع وليس بمتبوع اللهم إلا بالقدر الذي يسمح به اجتهاده المصيب بفهم وتفهيم الوحي.
لا يقر أهل التخريب العقدي بذلك ويصبون كل انتقاداتهم على علاقة العقل بالمعطى المنزل وعلى رضاه بأن يبقى دائماً في الدرجة الثانية أي في حدود الخادم دون أن يجرؤ أبداً على مبادرة أو سؤال أو تأويل لا يسمح به الوحي المحيط بكل شيء، بينما العقل لا يدرك شيئاً إدراكاً صحيحاً إلا إذا اعتمد على الوحي المبين (1) .