فهرس الكتاب
إنه ما عصي الله بشيء إلا أفسده على صاحبه ومن أعظم معصية العقل إعراضه كتاب الله وروحيه فأي فساد أعظم من فساد هذا العقل؟ إن علم الأنبياء وما جاؤوا به عن الله لا يمكن أن يدرك بالعقل ولا يكتسب وإنما هو وحي أوحاه الله إليهم بواسطة الملك أو كلام يكلم به رسوله منه إليه بغير واسطة كما كلم موسى وهذا متفق عليه بين جميع أهل الملل المقرين بالنبوة المصدقين الرسل ولا يخالفهم في ذلك إلا جهلة الفلاسفة وسفلتهم، ولكن أهل التخريب العقدي يريدون أن يعكسوا شرعة الله وحكمته فإن الله سبحانه جعل الوحي إماماً والعقل مؤتماً به وجعله حاكماً والعقل محكوماً عليه ورسولاً والعقل مرسلاً إليه وميزاناً والعقل موزوناً به وقائداً والعقل منقاداً له، فصاحب الوحي مبعوث وصاحب العقل مبعوث إليه والآتي بالشرع مخصوص بوحي من الله وصاحب العقل مخصوص ببحث عن رأي أو فكرة. الرسول يقول: معي كتاب الله وهم يقولون: معنا العقل. الرسول يقول: معي نور خالق العقل به أهدي وأهتدي ويقول قال الله كذا قال جبريل عن الله كذا وهم يقولون قال فيكو.. قال بيبر بورديو.. قال جاك دريدا.. قال فرانسوا إيوالد.. الخ .
بين العقل والوحي:
إن قضايا العقل تشتمل على العلم والظن والوهم، وقضايا الوحي كلها حق، فأي قضايا مأخوذة عن عقل قاصر عاجز عرضة للخطأ من قضايا مأخوذة عن خالق العقول وواهبها هي كلامه وصفاته (2) (العقل هو المصدر والعامل في كل ما يعبر عن الإنسان ويبلغه بلغة من اللغات وهو المسئول عن عملية تركيب المعاني في إنتاج جميع المنظومات) هكذا يقول أهل التخريب العقدي في دفاعهم
عن (فتنة خلق القرآن) وقد وصل بهم التبجح إلى القول بأنه (لو استمرت المناظرات بين العقل القائل بخلق القرآن والعقل الخادم الخاضع للقرآن غير المخلوق لكان الوضع المعرفي للعقل الإسلامي اليوم على غير ما هو عليه بمعنى أن الفسحة العقلية ما كانت لتصبح ضيقة محدودة تسودها الأرثوذكسية العقائدية المعروفة اليوم) (3) أي انتصار أهل السنة والجماعة الذين يقولون أن القرآن كلام الله تعالى منه بدأ فنزل غير مخلوق ألفاظه ومعانيه عن كلام الله سمعه جبريل من الله والنبي سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من النبي وهو القرآن المكتوب بالمصاحف المحفوظ بالصدور المتلو بالألسنة القرآن عند أهل السنة والجماعة كلام الله تعالى بالحقيقة وليس بمخلوق ككلام البرية ومن سمعه وزعم أنه ككلام البشر فقد كفر وقد ذمه الله تعالى وعابه أو أوعده عذابه حيث قال (سأصليه سقر) [المدثر 26] التي أوعدها الله من قال (إن هذا إلا قول البشر) [المدثر: 25] (4) .
البؤس الفكري لدى بعض المفكرين العرب:
وقد اعترف أهل التخريب العقدي بأن التوجه الإسلامي الصحيح قد كشف أزمة المجتمع في العمق وكشف في الوقت نفسه عن البؤس الفكري لمعظم المثقفين العرب ومراهقتهم الفكرية، كما أنه كشف كذلك عن التخلف المنهجي والمعرفي للفكر العربي المعاصر فالواقع في واد وهم في وادٍ آخر، فبؤسهم الفكري عاجز عن طرح أي مشكلة بشكل صحيح بل عاجز حتى عن رؤية المشكلة ذاتها.
أقر أهل التخريب العقدي بأن زميلهم (المثقف العربي) يقف أمام نظيره الغربي (كالفلاح الفقير الذي يقف خجلاً بنفسه أمام الغني الموسر) ويقولون في ذلك (يقف مثقفنا العربي أمام نظيره الغربي وهو يكاد يتهم نفسه ويعتذر عن شكله غير اللائق ولغته غير الحضارية ودينه المتخلف ويستحسن المثقف الغربي منه هذا الموقف ويساعده على الغوص فيه أكثر فأكثر حتى يكاد يلعن نفسه أو يخرج من جلده لكي يصبح حضارياً أو حداثياً مقبولاً) (5)
(1) … محمد أركون مرجع سابق ص 15.
(2) … ابن القيم (بتصرف) مرجع سابق ص 880، 891.
(3) … محمد أركون مرجع سابق ص 15.
(4) … أبوجعفر الأزدي الطحاوي عقيدة أهل السنة والجماعة، تعليق محمد بن مانع، مكتبة المعارف الطائف ص8.
(5) … محمد أركون مرجع سابق ص 23-25.