فهرس الكتاب
لقد أحسن أهل التخريب العقدي وأجادوا في وصف حال المثقفين العرب الذين هم أيضاً من دعاة هذا التخريب، لكن حال أهل التخريب العقدي أمام المثقفين ليس بأفضل من حال المثقفين العرب الذين يهاجمونهم، هاهم يقفون خجلين أمامهم من الخطاب الإسلامي الذي يتحدث عن التوحيد والصلاة والصيام والزكاة والحج والحجاب والجهاد، إنهم يقدسون لغة الغرب ويكتبون بها ويرونها مؤيدة للنقد الفلسفي والتاريخي والعلمي وأن لها أرضية خصبة من الجهاز المفهومي الداعي إلى المزيد من الدقة والتعمق في النقد، أما لغتهم (اللغة العربية) فلا تتحمل اقتران النقد بالعقل الإسلامي، هاهم يعتذرون عن شكلهم غير اللائق ولغتهم غير الحضارية ودينهم المتخلف فيحذرون الإسلاميين من أن خطابهم المتردد على ألسنة الخواص والعوام يمجه جميع الناس في الغرب وأنه لا يتيح إلا المزيد من الرفض والاستبعاد وسوء التفاهم، ويحذرون أيضاً بأن على الخطاب الإسلامي أن يغير من طريقته التي تثير ردود فعل وتحريض للغرب على الإصرار في الهيمنة واستراتيجية الإخضاع والتسيير التحكمي للعالم (الإسلامي) المتخلف ثم يدافعون عن الغرب ويقولون"بأن للغرب حق الحماية لقيم مدنيته والدفاع عن أمانته أمام قوى العنف والتجاهل وعدم التسامح" (1) .
يريد أهل التخريب العقدي خطاباً إسلامياً يتحدث للغرب بلغة ما وراء الحداثة (2) والديمقراطية ومفهومي الفرد والمواطن والتعاقد والتفاعل بين دولة القانون والمجتمع وأن يراعي الجانب الحقوقي والفلسفي للتجربة الديموقراطية وإلا فهو خطاب متخلف يستحق أن يمجه الغربيون ويرفضوه"انتهى كلام الدكتور أحمد خضر -وفقه الله-."
وقال الأستاذ نعمان السامرائي تحت عنوان (محمد أركون ينكر الصحوة الإسلامية) :
"محمد أركون ينكر الصحوة ويراها شعاراً سياسياً يتخفى الإسلام والدين خلفه، ويرسم للصحوة صورة، فإذا لم تتحقق فليس هناك صحوة، وباعتباره"علماني"حتى العظم أو مخ العظم، لذا فالإسلام عنده شيء، والسياسة والحكم شيء آخر. بل هو يدعي أن القرآن فيه علمانية والتراث الإسلامي كذلك. ومع ذلك لنقرأ ما يقول: (3) (……وما دامت العلوم الإسلامية الأصلية مجهولة، ولم تدرس على الطريقة التاريخية، والإنسانية، والأنتربولوجية الحديثة، فلا يمكننا أن نقول إن الإسلام"تجدد". طبعاً نرى ملايين من الناس يعيشون بالقيم الإسلامية، يعيشون بالإيمان، لكن هذا لا يدل على أننا قد تمكنا من المعاني الحقيقية الأصلية للدين بصفة عامة، وللدين الإسلامي بصفة خاصة) ."
الذين تحدثوا عن الصحوة لا حظوا جانب"الالتزام"فمن لم يكن ملتزماً بالإسلام راح"يلتزم"ومن كان لا يعنى ولا يهتم، صار يعنى، ويسأل، ويقرأ، ويهتم. وكما قال البعض: إن طلبة الطب والهندسة من الدار البيضاء إلى جاكرتا، صاروا أكثر تديناً والتزاماً، وهذا لا علاقة له بما يريده (أركون) من الدراسة على الطريقة التاريخية…
فكل ما يطمح الرجل في نشره هو العلمانية، وقراءة القرآن قراءة جديدة غير مقيدة بقواعد اللغة (وقد ناقشت كل ذلك في كتابي: الفكر الاستشراقي والفكر العربي) وأرجو أن لا يُخدع القارئ بما يقوله هذا الرجل"ويغمغم"فيه.
(1) … المرجع السابق ص 21.
(2) … في الوقت الذي يدعونا فيه أهل التخريب العقدي بالتعامل مع الغرب بعقل ما بعد الحداثة فإن هناك من المثقفين العرب من يؤجل دخول مجتمعاتنا الإسلامية هذه المرحلة على أساس أن ما بعد الحداثة نقد غربي يسوي حسابات غربية ولا يقدم لنا مشروعية تاريخية لأن مجتمعاتنا في نظرهم مجتمعات ما قبل الحداثة، وعلى كل فإن ما بعد الحداثة اتجاه ثقافي غربي يسدل الستار على الحداثة كمشهد عابر في العرض المسرحي الممتد للتقدم الثقافي ويرى أن الحداثة قد استنفدت أغراضها وأن قيمتها المعرفية بهتت أو ربما صارت أصباغاً على لوحة لم يعد لها ملامح أو هوية، وما بعد الحداثة مفهوم ينكر ثنائية الحداثة التقليدية ولا يقدم بالضرورة على القطيعة مع الماضي أو الميراث الثقافي ولا يقبل النموذج الارتقائي الذي يجعل المجتمع الأوروبي هو الصورة النموذجية للعالم المتخلف، انظر: محمد السعيد: ما بعد الحداثة ومصير التنوير، العربي عدد 413 إبريل 1993م ص 24-28 وهذا لا يعني أن أهل التخريب العقدي قد عدلوا بهذا المفهوم موقفهم من الإسلام ويكفينا لبيان ذلك أن نشير إلى أنهم أعطوا للوحي مفهوماً يخالف ما هو معروف عنه ونظروا إليه على أنه جملة من الإكراهات والقيود وتكرار الشعائر والطقوس والقيام والقعود وفرض القوالب النهائية الجامدة . (انظر: محمد أركون) مرجع سابق ص 75).
(3) … كل العرب ص 7