فهرس الكتاب

الصفحة 20843 من 27364

والرجل بصفته"متغرب"أكثر من الغربيين، لا يريد مطلقاً أن يعترف بفشل الطروحات الغربية بشقيها اللبرالي والماركسي، ولذلك يظل يبحث عن أسباب أخرى للصحوة التي ينكرها، من ذلك كثرة المتعلمين (1) : (فالأجيال الطالعة عددها كبير جداً، ولا بد لها من أن تطالب بحقوقها في التعليم المدرسي وفي العمل وفي الحياة المادية التي يعيشها الناس في مجتمعاتنا العصرية، هذه المطالبة لا بد أن تعبر عن نفسها من طريق العمل السياسي ولكن النظام السياسي في المجتمعات الإسلامية لا يسمح باستعمال الخطاب السياسي المحض، لأن هذه المجتمعات وهذه الدول الإسلامية الحديثة تقوم على نظام الحزب الواحد، وأنبتت على زعامة واحدة…) .

هناك دول مثل مصر، تونس، تركيا، إندونيسيا، السودان، باكستان، بنغلادش، وغيرها، تسمح بتعدد الأحزاب، وبعضها سمح للحزب الشيوعي بمزاولة النشاط الرسمي، ومع ذلك، فأمر الشباب في هذه البلاد لا يختلف عن سواها، حتى اضطر بعضها لمنع ومصادرة النشاط الإسلامي، فلو كانت القضية"سياسية صرفة"… لتوجه الشباب إلى تلك الأحزاب ومارس من خلالها العمل السياسي.

وحتى في دولة"الحزب الطليعي الأوحد"بإمكان الشباب ممارسة العمل السياسي من خلاله، إذا كان المطلوب هو العمل السياسي لا غير.. وسيكون في أمان ورغد عيش، وأمل في تحقيق المطالب. لكن ذلك لم يحدث!..

إن نظرة أركون"العلمانية"هي التي توحي له بهذا التفسير، لذا لا أتفق معه في قوله: (2) (… ولذلك نرى أن الظاهرة الدينية طغت على مجتمعاتنا(3) -وهذا اعتراف صريح- لأن هؤلاء الشباب أجبروا على استعمال الواسطة الدينية، المعجم الديني، للتعبير عن حاجاتهم السياسية. والحقيقة أننا نستمع إلى خطاب سياسي، بعبارات دينية، وهذه الظاهرة مهمة جداً خصوصاً في مجتمعاتنا الإسلامية، لأننا لا نجدها في المجتمعات الغربية، حيث يسمح تعدد الأحزاب بالتعبير السياسي المباشر، من دون الحاجة إلى استعمال واسطة الدين للنضال، أو للتعبير عن حاجات المواطن في مجتمعه، ولذلك نرى في تلك المجتمعات انفصالاً بين الدين والسياسة).

هذا الانفصال هو"العلمانية"التي باتت مستقرة في الغرب، والتي وجدت في الأجواء المسيحية، حيث جفت ينابيع المسيحية وتصلبت كما يقول الناقد البريطاني"كولن ولسن"والتي تخلو من التشريع، والتي مارست الكنيسة في عصور خلت ألواناً من الإرهاب، لا مثيل له، وكل هذا وغيره لا وجود له في الإسلام، ولكن"هوس"أركون"بالعلمانية"، وإعجابه بالغرب، يجعله لا يرى في الصحوة الإسلامية إلا واجهة سياسية، يرفضها من منطلقه العلماني الضيق. بينما يدرك أساتذته المستشرقون أن الإسلام دين شامل يهتم بالدولة كما يهتم بالصلاة، ولا تفريق بين الدنيوي والأخروي (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) .

فالعلمانية إيمان ببعض الكتاب، وكفر بأكثره، وهي بعيدة عن الإسلام، وقد نبتت في غير أرضه، وبين قوم ليسوا بمسلمين.

قضية أخرى وهي أن مندوب المجلة علماني، ولذلك فهو يوجه الحديث كذلك.

قضية ثالثة يشكو منها أركون ويطالب بها بإلحاح: أن يُفسح له مجال التوجيه. والرجل يُستقبل عادة استقبال الفاتحين، ويوصف"بالمفكر العربي الكبير وصاحب النظريات"وتوضع في خدمته الإذاعات وغيرها، ومع ذلك فهو يشكو، ويشكو، ويطالب الحكومات، أن تشجع على"الفكر النقدي"، وهذا الفكر يقول: بأن القرآن كتب إملائياً في القرن الرابع عشر للميلاد، وأن السُنّة جرى عليها الحذف والاختيار، وأن الإمام الشافعي هو الذي جعل منها مرجعاً، وأن التفسير الصوفي الإشاري وعلم الجفر الشيعي يشكلان حقيقة مكتومة مموهة، وهما أفضل من التفسير السني الحرفي!!…

هذا الفكر، أو"المراهقة الفكرية"يريد صاحبها نشرها اليوم، وهو يتصور نفسه"قائد عميان"!. لا يا أستاذ السوربون، ما كل بضاعة"نافقة"في السوربون، وفي مؤتمرات المستشرقين المظلمة العفنة، يمكن أو يجب أن تنشر في أوساط المسلمين، ولو منحتك السوربون ألف شهادة وألف لقب و"لمّعتك"بكل دهون العالم. ولقد حاول قبلك الدكتور طه حسين فلم ينجح، فلا تتعب نفسك! …

هناك كذبة يروجها الكاتب قائلاً: (4) (… ونسبة إلى القوة العظيمة التي تعمل على المستوى الدولي لإضعاف القوى المجددة عندنا، وتشجيع القوى التي تؤيد المواقف الرجعية، وعندما أقول الرجعية، أقصد على وجه التحديد الرجعية العقلانية، لأن هناك رجعية ثقافية عقلانية…)

أركون شيخ الرجعيين:

جلوس أركون على عرش السوربون، جعله يعتقد أن ذلك وحده يكفي لنفي صفة الرجعية عنه. والرجعية: صفة في العقل، ولوث في القلب، ومنهج في الفكر. وجلوس الإنسان في السوربون، أو الربع الخالي لا دخل له في ذلك. كما أن مدح"البعض"لا يعني أن الممدوح بعيداً عن الرجعية أو"الرجعة"الشيعية.

فلنجرب قراءة هذه النصوص لشيخ الرجعية الأركونية ثم نحكم بعد ذلك:

(1) … كل العرب ص 7.

(2) … كل العرب ص 7.

(3) … الرجل مجاور في باريس من أيام الدراسة، وقد رفض العودة للجزائر قديماً وحديثاً.

(4) … كل العرب ص 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت