في التاسعة من عمري وقع لي حادث آخر مؤلم، نزيف دموي أصابني من حيث لا أدري، أشد خطراً من حادث الختان، لأنه يتكرر لمدة أربعة أيام كل شهر. لا ينقطع عني إلا بعد أن يبلغ عمري نصف قرن، ورد ذكره في كتاب الله إنه"أذى"بمعنى النجاسة، على الرجال أن يهجروا النساء في هذه الأيام حتى يطهرن .
كنت أنكمش في الركن بعيداً عن الناس أخفي الألم في ذاكرتي، لم يكن لي أن أسأل سؤالاً دون أن أمس المقدس، الله في سمائه العلياء، أما إبليس فقد قرأت قصته في المدرسة. أمره الله بالسجود لآدم فرفض، قصة لا علاقة لها بالختان أو المحيض أو آلامي الجسدية والنفسية. أدركت وأنا في العاشرة من العمر أن إبليس برئ على نحو ما)!
وتقول:(في الثالثة عشر من عمري كنت تلميذة بالمدرسة الثانوية في حلوان. طلب منا أحمد أفندي مدرس اللغة العربية أن نكتب شيئاً من الذاكرة في كراسة الإنشاء، كانت ذاكرتي الطفولية قد اندثرت تحت اسم المحرم، الجنس أو الدين، نسيتهما مع أحداث طفولتي بما فيها الحب الأول وأنا في العاشرة من العمر، ومفهوم الشرف يتعلق بغشاء خلقه الله في أجساد البنات فقط، لم يخلقه في أجساد الأولاد لأن الذكور ليس لهم شرف يتعلق بشيء في أجسادهم.
كتبت لأحمد أفندي في كراسة الإنشاء سيرة ذاتية لطفلة اسمها سعاد. غيرت اسمي واسم أبي وجدي السعداوي حتى لا يدرك أحمد أفندي أنني أكتب عن نفسي، تفاديت المحرمات الكبيرة التي تتعلق بالرءوس الكبيرة مثل أبي والله وجدي وعمي الشيخ محمد وخالي يحيي وزكريا وغيرهم من الذكور.
إلا أن ذاكرتي اللاإرادية كانت تتسرب من بين السطور، في المساحات الخالية بين السطر والسطر، كنت أكتب على سطر وأترك سطراً خالياً يتسع لأي شيء، وقد سألت سعاد أباها سؤالاً لم أسأله لأبي، وهو كيف ينفذ الله من خلال الجدران ويراها في دورة المياه؟ كانت سعاد تخجل من رفع ملابسها، تتصور أن الله رجل يطل عليها من السقف، قال لها أبوها إن الله ليس ذكراً أو أنثى وهو روح بلا جسد، كان أبوها يخاطب الروح بصيغة المؤنث فيقول الروح لا يعلمها أحد، وبدأت سعاد تخاطب الله بصيغة المؤنث باعتباره روحاً، غضب أبوها، أمرها أن تشطب على صيغة المؤنث، مع ذلك كان يؤكد لها أن الله روح فقط يختلف عن الإنسان الذي يملك الروح والجسد، تصورت سعاد أن الإنسان يملك أكثر مما يملكه الله، لأن عنده الجسد أيضاً بالإضافة إلى الروح).
وتقول:(بدأت في تلك الفترة من شتاء 1059 أكتب سيرتي الذاتية تحت عنوان"مذكرات فتاة غير عادية". كنت أشتغل طبيبة جراحة في مستشفى الصدر بالجيزة، وعيادتي الطبية في ميدان الجيزة، أتحمل في البيت مسئولية لا يتحملها الرجال، في المستشفى والعيادة أعالج الرجال والنساء، أنقذ أرواحهم وأجسادهم من الموت، إلا أن القانون والشرع يراني نصف رجل، لا أستطيع أن أدلي بشهادة المحكمة كإنسانة كاملة، ليس لي حق الولاية على أخواتي القاصرات، لا يمكن لي السفر دون إذن مكتوب من زوجي، يملك حقوقاً لا أملكها منها الطلاق، تعدد الزوجات، ما يسمى"قوامة الرجل"على المرأة رغم أنني أتحمل مسئولية الإنفاق.
رفضت كل هذا كان معي المنطق والعدل والحق. إلا أن الشرع والدين لم يكن معي، هنا اصطدمت بالمقدس. بدأت أبحث كيف نشأ هذا المقدس في التاريخ. وصلت إلى الحضارة المصرية القديمة، كانت الإلهة الأنثى رمز المعرفة والعدل والصحة، الإلهة"سخمت"نقيبة الأطباء في مصر منذ سبعة آلاف عام،"معات"هي رئيسة القضاء وإلهة العدل، لا يمكن للمرأة أن تكون قاضية اليوم.
في طفولتي سمعت أبي يقول: الجنة تحت أقدام الأمهات، أحد النصوص المقدسة بعد موت أمي رأيتها في الحلم تعاني الوحدة والحزن في حياتها الجديدة بالجنة. كان أبي مخلصاً لها طوال حياته، في الجنة تخلى عن هذا الإخلاص تركها وحيدة وانشغل بالعذروات والحوريات، يشف بياضهن من تحت الساق، له منهن اثنين وسبعين حورية، تعود الواحدة منهن عذراء تمزق الغشاء، ليتمزق من جديد كالجلود المحروقة في النار تتجدد.
كان أبي رقيق الطبع فهل يتحول بعد الموت إلى آله ذكورية شديدة القسوة والغباء لا عمل لها إلا تمزيق أغشية العذروات؟ أمي حكت لي آلامها ليلة الزفاف، هذا الألم تعرفه كل امرأة فكيف تتكرر هذه المأساة كل ليلة؟
ألا تكون النار أفضل للنساء من الجنة؟ وكيف تتحول أمي إلى عذراء بعد أن ولدت تسعة من العيال؟)
ومن أقوالها الكفرية - أخزاها الله-:
(لتذهب وزارة الصحة إلى الجحيم، لا أريد أن أبقى فيها ولا أريد السفر، كل ما أريد هو أن أحاجج الرب كما حاججه سيدنا أيوب، عندي من الصبر ما كان عنده ويزيد…) (أوراقي حياتي 2/160) .
(في الليل تحوطني أختي بذراعيها، تنشج بصوت مكتوم، وتحكي قصة أمها. زارها الله في الحلم وحملت منه مثل مريم العذراء..) (سقوط الإمام،23) .
(لم يكن لجسد أمي عورة إلا الثدي الواحد، كالإله ذو الثدي الواحد..) . (( السابق،166)
(أصحو من النوم والدنيا ظلام. جسمي مبلل بالعرق وله رائحة الله) . (السابق، 23)
(أغمضت عيني لأنام، رائحة الله في أنفي) . (السابق، 23-24) .