أولاً: فصل الدين عن الدولة وجعل الإسلام ديناً روحياً فقط، حيث يقول:"إن الإسلام كما شاء له الله دين وعقيدة وليس حكماً وسيفاً" (1) ،"وأن هناك فرقاً كبيراً بين الإسلام الدين والإسلام الدولة، وأن انتقاد الثاني لا يعني الكفر بالأول أو الخروج عليه" (2) ، ويقول:"أنت هنا تملك أن تفصل بين الإسلام الدين والإسلام الدولة حفاظاً على الأول حين تستنكر أن يكون الثاني نموذجاً للاتباع، أو حين يعجزك أن تجد صلة واضحة بين هذا وذاك، فالأول رسالة، والثاني دنياً… دع عنك إذن حديث الساسة عن الدين والدولة وسلم معهم بالدين، أما الدولة فأمر فيه نظر، وحديث له خبئ ، وقصد وراءه طمع، وقول ظاهره الرحمة وباطنه العذاب" (3) .
وادعى تأكيداً لهذا الفصل أن"الخلافة الإسلامية"التي استمرت في عهود الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين ليست خلافة إسلامية بل خلافة عربية قرشية، وأنها لم تحمل من الإسلام إلا الاسم فقط، وأن الدولة الإسلامية كانت على مدى التاريخ الإسلامي كله عبئاً على الإسلام وانتقاصاً منه وليست إضافة إليه (4) ، وأن وقائع التاريخ الإسلامي تنهض دليلاً دامغاً على ضرورة الفصل بين الدين والسياسة، وعلى خطورة الجمع بينهما، وعلى سذاجة المنادين بعودة الحكم الإسلامي (5) . وادعى أيضاً أن هذا"الفصل هو السبيل الوحيد للحفاظ على الوحدة الوطنية" (6) ، وأن فيه تحقيقاً لصالح الدين وصالح السياسة معاً، كما أن قصر رسالة المسجد على تعميق مفاهيم الدين وغرس القيم الدينية فيه تحقيق لقصد الذاهبين للصلاة، بل واحترام لحريتهم الفكرية (7) .
ثانياً: رفض تطبيق الشريعة الإسلامية رفضاً باتاً وبأي صورة من الصور، فهو يُعلن ذلك في كتبه ولقاءاته الفكرية بلا مواربة (8) ، ويصم المنادين بتطبيقها بالتطرف والجمود والتخلف؛ مدعياً ما يلي:
أن تطبيق الشريعة يؤدي إلى قيام دولة دينية، وهذه تقود إلى الحكم بالحق الإلهي الذي لا يتم إلا من خلال رجال الدين؛ وتنقسم الدولة بسببه إلى حزبين هما: حزب الله -ويدخل فيه كل من وافقهم-، وحزب الشيطان -ويدخل فيه كل من خالفهم (9) -. وكثيراً ما يردد فودة هذه الدعوى ويُلح عليها، ومن ذلك على سبيل المثال قوله:"إن تطبيق الشريعة الإسلامية لابد أن يقود إلى دولة دينية، والدولة الدينية لابد أن تقود إلى حكم بالحق الإلهي لا يعرفه الإسلام، أو قل عرفه في عهد الرسول. والحكم بالحق الإلهي لا يمكن أن يقام إلا من خلال رجال دين إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة" (10) .
أن تطبيق الشريعة ينافي الحضارة والتطور ويهدد أمن الوطن ووحدته بإثارة الفتنة الطائفية، حيث يقول:"إنما أنا مواطن مصري يندب مصير مصره حين تنساق بحسن النوايا في اتجاه حاشا لله أن أسميه مستقبلاً، فما أبعد المستقبل عن دولة دينية لا أحسب أن العمر يتسع لها، أو أن الوطن يمكن أن يسعها دون أن تتهدد وحدته، وينهدم ما تعلق به من أهداب الحضارة أو درجاتها" (11) ، ويقول: إن تطبيق الشريعة يؤدي إلى قيام دولة دينية،"والدولة الدينية التي يحكمها رجال الدين بصورة مباشرة أو غير مباشرة… سوف تكون مدخلاً مباشراً للفتنة الطائفية، بل ربما تمزيق الوطن الواحد" (12) .
أن المناداة بتطبيق الشريعة إنما هو رد فعل لمؤثرات خارجية، وأن هدف الداعين إلى تطبيقها هو الاستيلاء على الحكم بطريق مباشر -بتولي مناصبه- أو بطريق غير مباشر -بفرض الوصاية عليه (13) -.
(1) … الحقيقة الغائبة (ص 139) ، ط عام 1992م، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة.
(2) … قبل السقوط ص 14. وانظر: حوار حول العلمانية ص 17.
(3) … قبل السقوط ص 14 - 15.
(4) … انظر كلاً من: الحقيقة الغائبة ص 133، وإقبال بركة -قضايا إسلامية ص 178.
(5) … انظر: الحقيقة الغائبة ص 145.
(6) … المرجع السابق.
(7) … انظر: قبل السقوط ص 18، 35.
(8) … راجع في هذا على سبيل المثال: حوارات حول الشريعة -لأحمد جودت ص 14.
(9) … راجع: قبل السقوط ص 51-58.
(10) … المرجع السابق ص 42-43. وراجع ص 51-58-، 68 من المرجع نفسه. وحوارات حول الشريعة -لأحمد جودت ص 14-15، 80، 96.
(11) … قبل السقوط ص 41 - 42.
(12) … المرجع السابق ص 68، وراجع الصفحات: 41 - 50 من المرجع نفسه.
(13) … راجع: المرجع السابق ص 42 - 48، 59-63.
تفوق القوانين الوضعية على الشريعة الإسلامية، حيث يقول:"إن القانون الحالي يعاقب على جرائم يعسر على الشريعة أن تعاقب عليها، ويعكس احتياج المجتمع المعاصر بأقدر مما تفعل الشريعة" (1) . ويقول في حوار أجري معه:"إن حجم الانحلال الموجود في المجتمع المصري أقل بكثير اليوم على مدى التاريخ الإسلامي كله، ورأيي أن القانون الوضعي يحقق صالح المجتمع في قضايا الزنا مثلاً أكثر مما ستحققه الشريعة لو طبقت" (2) .
"أن قواعد الدين ثابتة، وظروف الحياة متغيرة، وفي المقابلة بين الثابت والمتغير لابد وأن يحدث جزء من المخالفة ، وذلك بأن يتغير الثابت أو يثبت المتغير، ولأن تثبيت واقع الحياة المتغير، مستحيل، فقد كان الأمر ينتهي دائماً بتغيير الثوابت الدينية" (3) .